وَالثَّانِيَةُ: يَتَصَدَّقَانِ بِهَا وَأَخَذَهَا القَاضِي فِي خِلافِهِ مِنْ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَتِلكَ قَدْ صَرَّحَ فِيهَا أَحْمَدُ بِفَسَادِ البَيْعِ عَلى مَا حَكَاهُ القَاضِي أَيْضًا فِي المُجَرَّدِ وَ كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ ثُمَّ قَال وَهَذَا عِنْدِي عَلى الاسْتِحْبَابِ المُنْهِي عَنْ رِبْحِ مَا لمْ يُضْمَنْ وَهَذَا لمْ يُضْمَنْ عَلى المُشْتَرِي فَكُرِهَ لهُ رِبْحُهُ وَكُرِهَ للبَائِعِ لحُدُوثِهِ عَلى مِلكِ المُشْتَرِي , وَكَذَلكَ مَال صَاحِبُ المُغْنِي إلى حَمْلهَا عَلى الاسْتِحْبَابِ لأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالشُّبُهَاتِ مُسْتَحَبٌّ وَهَذِهِ شُبْهَةٌ لاشْتِبَاهِ الأَمْرِ فِي مُسْتَحَقِّهَا , وَلحُدُوثِهَا بِجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ وَيُشْبِهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَا نَصَّ عَليْهِ أَحْمَدُ فِي رِبْحِ مَال المُضَارَبَةِ إذَا خَالفَ فِيهِ المُضَارِبُ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَفِيمَنْ أَجَّرَ مَا اسْتَأْجَرَهُ بِرِبْحٍ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ لدُخُولهِ فِي رِبْحِ مَا لمْ يَضْمَنْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالثَةُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ كُلهَا للبَائِعِ نَقَلهَا القَاضِي فِي خِلافِهِ فِي مَسْأَلةِ زَرْعِ الغَاصِبِ , وَنَصَّ عَليْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَنْ اشْتَرَى قَصِيلًا فَتَرَكَهُ حَتَّى سَنْبَل يَكُونُ للمُشْتَرِي مِنْهُ بِقَدْرِ مَا اشْتَرَى يَوْمَ اشْتَرَى فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَانَ للبَائِعِ صَاحِبِ الأَرْضِ قِيل لهُ: وَكَذَلكَ النَّخْل إذَا اشْتَرَاهُ ليَقْلعَهُ فَطَلعَ؟ قَال: كَذَلكَ فِي النَّخْل فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَهُوَ لصَاحِبِ الأَرْضِ البَائِعِ , وَوَجَّهَهُ القَاضِي بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ نَمَاءِ مِلكِ البَائِعِ فَهِيَ كَالرِّبْحِ فِي المَال المَغْصُوبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لصَاحِبِ المَال دُونَ الغَاصِبِ وَيُلغَى تَصَرُّفُهُ فِيهِ لكَوْنِهِ مَحْظُورًا كَذَلكَ هَهُنَا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَصَرُّفِ الغَاصِبِ بِأَنَّ الغَاصِبَ إنَّمَا لهُ آثَارُ عَمَلٍ فَأُلغِيَتْ وَهُنَا للمُشْتَرِي عَيْنُ مَالٍ نَمَتْ فَكَيْفَ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ نَمَائِهَا , وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ المُشْتَرِيَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالعَقْدِ مَا وَقَعَ عَليْهِ العَقْدُ مِنْ الثَّمَرَةِ وَمَا زَادَ عَلى ذَلكَ فَلا حَقَّ له فِيهِ وَهَذَا البَيْعُ لمْ يَتِمَّ قَبْضُهُ فِيهِ وَلا وُجِدَ فِي ضَمَانِهِ فَلا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَقْبِضَ غَيْرَ مَا وَقَعَ عَليْهِ البَيْعُ بِمُقْتَضَى عَقْدِهِ.
وَحَمَل القَاضِي قَوْل أَحْمَدَ هَهُنَا وَكَذَلكَ النَّخْل إذَا اشْتَرَاهُ ليَقْلعَهُ عَلى أَنَّهُ اشْتَرَى جُذُوعَهُ ليَقْطَعَهَا.
وَقَال الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَيَحْتَمِل عِنْدِي أَنْ يُقَال: بِأَنَّ زِيَادَةَ الثَّمَرَةِ فِي صِفَتِهَا للمُشْتَرِي وَمَا طَال مِنْ الجِزَّةِ للبَائِعِ لأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لوْ فَرَضْنَا أَنَّ المُشْتَرِيَ كَانَ قَدْ جَزّ مَا اشْتَرَاهُ لأَمْكَنَ وُجُودُهَا وَيَكُونُ للبَائِعِ , فَكَذَلكَ إذَا لمْ تُجَزَّ انْتَهَى.
وَاخْتَارَ القَاضِي خِلافَ هَذَا كُلهِ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ كُلهَا للمُشْتَرِي مَعَ صِحَّةِ العَقْدِ وَللبَائِعِ مَعَ فَسَادِهِ وَلمْ يُثْبِتْ فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي المَذْهَبِ فِي هَذَا خِلافًا , وَمَا قَالهُ مِنْ انْفِرَادِ المُشْتَرِي بِالثَّمَرَةِ بِزِيَادَتِهَا مُخَالفٌ لمَنْصُوصِ أَحْمَدَ وَقِيَاسِهِ كَذَلكَ عَلى سِمَنِ العَبْدِ غَيْرُ صَحِيحٍ لأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ نَمَتْ مِنْ أَصْل البَائِعِ مَعَ اسْتِحْقَاقِ إزَالتِهَا عَنْهُ بِخِلافِ سِمَنِ العَبْدِ وَطُولهِ وَلوْ قَال مَعَ ذَلكَ بِوُجُوبِ الأُجْرَةِ للبَائِعِ إلى حِينِ القَطْعِ لكَانَ أَقْرَبَ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ بَطَّةَ فِيمَنْ اشْتَرَى خَشَبًا للقَطْعِ فَتَرَكَهُ فِي أَرْضِ البَائِعِ حَتَّى غَلظَ وَاشْتَدَّ أَنَّهُ يَكُونُ بِزِيَادَتِهِ للمُشْتَرِي وَعَليْهِ لصَاحِبِ الأَرْضِ أُجْرَةُ أَرْضِهِ للمُدَّةِ التِي تَرَكَهَا فِيهِ وَأَخَذَهُ