عَليْهِ الانْتِقَال أَمْ لا؟ يَنْبَنِي عَلى أن الاعْتِبَارِ فِي الكَفَّارَاتِ بِحَال الوُجُوبِ أَوْ بِحَال الفِعْل, وفِيهِ رِوَايَتَانِ. فَإِنْ قُلنَا بِحَال الوُجُوبِ صَارَ الصَّوْمُ أَصْلًا لا بَدَلًا وَعَلى هَذَا فَهَل يُجْزِئُهُ فِعْل الأَصْل وَهُوَ الهَدْيُ؟ المَشْهُورُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ لأَنَّهُ الأَصْل فِي الجُمْلةِ وَإِنَّمَا سَقَطَ رُخْصَةً، وَحَكَى القَاضِي فِي شَرْحِ المَذْهَبِ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ لا يُجْزِئُهُ.
ومنها: كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَاليَمِينِ وَنَحْوِهِمَا وَالحُكْمُ فِيهِمَا كَهَدْيِ المُتْعَةِ.
ومنها: إذَا أَتْلفَ شَيْئًا لهُ مِثْلٌ وَتَعَذَّرَ وُجُودُ المِثْل وَحَكَمَ الحَاكِمُ بِأَدَاءِ القِيمَةِ ثُمَّ وَجَدَ المِثْل قَبْل الأَدَاءِ وَجَبَ أَدَاءُ المِثْل ذَكَرَهُ الأَصْحَابُ لأَنَّهُ قَدَرَ عَلى الأَصْل قَبْل أَدَاءِ البَدَل فَيَلزَمُهُ كَمَا إذَا وَجَدَ المَاءَ قَبْل الصَّلاةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل كَلامُهُمْ عَلى مَا إذَا قَدَرَ عَلى المِثْل عِنْدَ الإِتْلافِ ثُمَّ عَدِمَهُ إمَّا إنْ عَدِمَهُ ابْتِدَاءً فَلا يَبْعُد أَنْ يَخْرُجَ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ المِثْل خِلافٌ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَلا يُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ لأَنَّهُ لوْ وَجَدَ المَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ لبَطَل وَوَجَبَ اسْتِعْمَال المَاءِ بِنَصِّ الشَّارِعِ وَهَاهُنَا لوْ أَدَّى القِيمَةَ لبَرِئَ وَلمْ يَلزَمْهُ أَدَاءُ المِثْل بَعْدَ وُجُودِهِ.
وَقَال فِي التَّلخِيصِ: عَلى الأَظْهَرِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِخِلافٍ فِيهِ.
ومنها: لوْ جَعَل الإِمَامُ لمَنْ دَلهُ عَلى حِصْنِ جَارِيَةٍ مِنْ أَهْلهِ فَأَسْلمَتْ بَعْدَ الفَتْحِ أَوْ قَبْلهُ وَكَانَتْ أَمَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ لهُ قِيمَتُهَا إذَا كَانَ كَافِرًا لأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْليمُ عَيْنِهَا إليْهِ فَوَجَبَ لهُ البَدَل فَإِنْ أَسْلمَ بَعْدَ إسْلامِهَا، فَهَل يَعُودُ حَقُّهُ إلى عَيْنِهَا فِيهِ؟ لأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لا يَعُودُ لأَنَّ حَقَّهُ اسْتَقَرَّ فِي القِيمَةِ فَلا يَنْتَقِل إلى غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: بَلى لأَنَّهُ إنَّمَا اُنْتُقِل إلى القِيمَةِ لمَانِعٍ وَقَدْ زَال فَيَعُودُ حَقُّهُ إليْهَا.
ومنها: لوْ أَصْدَقَهَا شَجَرًا فَأَثْمَرَتْ ثُمَّ طَلقَهَا قَبْل الدُّخُول وَامْتَنَعَتْ مِنْ دَفْعِ نِصْفِ الثَّمَرَةِ مَعَ الأَصْل تَعَيَّنَتْ لهُ القِيمَةُ. فَإِنْ قَال أَنَا أَرْجِعُ فِي نِصْفِ الشَّجَرَةِ وَأَتْرُكُ الثَّمَرَةَ عَليْهَا أَوْ أَتْرُكُ الرُّجُوعَ حَتَّى تَجُدِّي ثَمَرَتَك ثُمَّ أَرْجِعُ فِيهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا القَاضِي وَغَيْرُهُ.
أَحَدُهُمَا: لا يُجْبَرُ عَلى قَبُول ذَلكَ وَهُوَ الذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لأَنَّ الحَقَّ قَدْ انْتَقَل مِنْ العَيْنِ فَلمْ يَعُدْ إليْهَا إلا بِتَرَاضِيهِمَا.
وَالثَّانِي: يُجْبَرُ عَليْهِ لأَنَّهُ لا ضَرَرَ عَليْهَا فَلزِمَهَا كَمَا لوْ وَجَدَهَا نَاقِصَةً فَرَضِيَ بِهَا فَعَلى هَذَا الحَقُّ بَاقٍ فِي العَيْنِ لبقائها فِي مِلكِهَا, وَكَذَلكَ ذَكَرَ القَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ المُجَرَّدِ أَنَّهُ إذَا لمْ يَأْخُذْ القِيمَةَ حَتَّى قُطِعَ الطَّلعُ وَعَادَ النَّخْل كَمَا كَانَ أَنَّ للزَّوْجِ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِهِ.
ومنها: لوْ طَلقَهَا قَبْل الدُّخُول وَقَدْ بَاعَتْ الصَّدَاقَ فَلمْ يَأْخُذْ نِصْفَ قِيمَتِهِ حَتَّى فُسِخَ البَيْعُ لعَيْبٍ.
قَال الأَصْحَابُ: ليْسَ لهُ أَخْذُ نِصْفِهِ لأَنَّ حَقَّهُ وَجَبَ فِي القِيمَةِ وَلمْ تَكُنْ العَيْنُ وقتئذٍ فِي مِلكِهِمَا وَلا يَبْعُدُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ بِالرُّجُوعِ كَالتِي قَبْلهَا وَهَذَا إذَا لمْ نَقُل إنَّهُ يَدْخُل فِي مِلكِهِ قَهْرًا كَالمِيرَاثِ فَإِنْ قُلنَا يَدْخُل قَهْرًا عَادَ حَقُّهُ إلى العَيْنِ بِعَوْدِهَا إليْهَا وَلا يُقَال هَذَا عَادَ إليْهَا مِلكًا