وَالثَّالثُ: عَقْدُ تَبَرُّعٍ مُعَلقٌ بِالمَوْتِ فَيَصِحُّ فِي المُبْهَمِ بِغَيْرِ خِلافٍ لمَا دَخَلهُ مِنْ التَّوَسُّعِ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ وَشَاةٍ مِنْ قَطِيعِهِ وَهَل يُعَيِّنُ بِتَعْيِينِ الوَرَثَةِ أَوْ بِالقُرْعَةِ؟ عَلى رِوَايَتَيْنِ.
وَمِثْلهُ عُقُودُ التَّبَرُّعَاتِ كَإِعَارَةِ أَحَدٍ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ وَإِبَاحَةُ أَحَدٍ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ , وَكَذَلكَ عُقُودُ المُشَارَكَاتِ وَالأَمَانَاتِ المَحْضَةِ مِثْل أَنْ يَقُول: ضَارِب بِإِحْدَى هَاتَيْنِ المِائَتَيْنِ وَهُمَا فِي كِيسَيْنِ وَدَعْ عِنْدَكَ الأُخْرَى وَدِيعَةً , أَوْ ضَارِب مِنْ هَذِهِ المِائَةِ بِخَمْسِينَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّمَاثُل ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلخِيصِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الإِبْهَامُ فِي التَّمَلكِ فَإِنْ كَانَ عَلى وَجْهٍ يَئُول إلى العِلمِ كَقَوْلهِ: أَعْطُوا أَحَدَ هَذَيْنِ كَذَا صَحَّتْ الوَصِيَّةُ كَمَا لوْ قَال فِي الجَعَالةِ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلهُ كَذَا , وَإِنْ كَانَ عَلى وَجْهٍ لا يَؤُول إلى العِلمِ كَالوَصِيَّةِ لأَحَدِ هَذَيْنِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَعَلى الصِّحَّةِ يُمَيِّزُ بِالقُرْعَةِ؟ وَأَمَّا الفُسُوخُ فَمَا وُضِعَ مِنْهَا عَلى التَّغْليبِ وَالسِّرَايَةِ صَحَّ فِي المُبْهَمِ كَالطَّلاقِ وَالعَتَاقِ , وَخَرَّجَ صَاحِبُ التَّلخِيصِ وَجْهًا فِي الوَقْفِ أَنَّهُ كَالعِتْقِ لمَا فِيهِ مِنْ التَّحْرِيرِ وَالمَذْهَبُ خِلافُهُ ; لأَنَّ الوَقْفَ عَقْدُ تَمْليكٍ فَهُوَ بِالهِبَةِ أَشْبَهُ.
وَأَمَّا الإِخْبَارَاتُ فَمَا كَانَ مِنْهَا خَبَرًا دِينِيًّا أَوْ كَانَ يَجِبُ بِهِ حَقٌّ عَلى المَخْبَرِ قُبْل فِي المُبْهَمِ , فَإِنْ تَعَلقَ بِهِ وُجُوبُ حَقٍّ عَلى غَيْرِهِ لمْ يُقْبَل إلا فِيمَا يَظْهَرُ لهُ فِيهِ عُذْرُ الاشْتِبَاهِ فَفِيهِ خِلافٌ.
وَإِنْ تَعَلقَ بِهِ وُجُوبُ الحَقِّ عَلى غَيْرِهِ لغَيْرِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ إخْبَارِ مَنْ وَجَبَ عَليْهِ الحَقُّ وَيُخَرَّجُ عَلى ذَلكَ مَسَائِل:
منها: لوْ أَخْبَرَهُ أَنَّ كَلبًا وَلغَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الإِنَائيْنِ لا بِعَيْنِهِ قَبْل وَصَارَ كَمَنْ اشْتَبَهَ عَليْهِ طَاهِرٌ بِنَجَسٍ , وَكَذَلكَ لوْ أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ , أَوْ أَنَّ أَحَدَ هَذَيْنِ اللحْمَيْنِ مَيْتَةٌ وَالآخَرُ مُذَكَّاةٌ وَنَحْوُ ذَلكَ.
ومنها: الإِقْرَارُ فَيَصِحُّ المُبْهَمُ وَيُلزَمُ بِتَعْيِينِهِ مِثْل أَنْ يَقُول: أَحَدُ هَذَيْنِ مِلكٌ لفُلانٍ , أَوْ لهُ عِنْدِي دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ.
وَيَصِحُّ للمُبْهَمِ كَمَا لوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ هَذَيْنِ العَبْدَيْنِ , أَوْ أَعْتَقَهُ مَوْرُوثُهُ , وَكَذَلكَ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَوَّجَ إحْدَى بَنَاتِهِ مِنْ رَجُلٍ وَلمْ يُسَمِّهَا ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهَا تُمَيَّزُ بِالقُرْعَةِ عَلى المَنْصُوصِ , وَكَذَلكَ لوْ أَقَرَّ أَنَّ هَذِهِ العَيْنَ التِي فِي يَدِهِ لأَحَدِ هَذَيْنِ وَدِيعَةٌ وَلا أَعْلمُهُ عَيْنًا فَإِنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ عَليْهَا نَصَّ عَليْهِ , وَكَذَا لوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ هَذِهِ العَيْنَ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ وَهُمَا يَدَّعِيَانِهَا فَإِنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ وَلوْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا.
نَصَّ عَليْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُليْنِ ادَّعَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا وَقَال أَحَدُهُمَا: اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةٍ , وَقَال: الآخَرُ بِمِائَتَيْنِ وَأَقَرَّ البَائِعُ أَنَّهُ بَاعَهُ بِمِائَتَيْنِ وَلمْ يُعَيِّنْ , فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ وَكَانَ الثَّوْبُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا , وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَلا اعْتِبَارَ