فهرس الكتاب
فَكَفَل بِهَا كَفِيلانِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ فَأَيُّهُمَا شَاءَ أَخَذَ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْهُ وَكَذَلك قَال أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ فِيمَنْ قَال للرَّجُل أَلقِ مَتَاعَك فِي البَحْرِ عَلى أَنِّي وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضُمَنَاءُ فَأَلقَاهُ ضَمِنَهُ دُونَهُمْ إلا أَنْ يَتَطَوَّعُوا بِالضَّمَانِ مَعَهُ.
وَقَدْ يَكُونُ مَأْخَذُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّغْرِيرِ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَلقَاهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ قِيمَتَهُ تُرَدُّ عَليْهِ اعْتِمَادًا عَلى قَوْل هَذَا القَائِل فَلذَلكَ لزِمَهُ الضَّمَانُ وَعَلى هَذَا فَيُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ المَتَاعِ عَالمًا بِالحُكْمِ أَوْ جَاهِلًا بِهِ.
وَالوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الضَّمَانَ بِالحِصَّةِ إلا أَنْ يُصَرِّحُوا بِمَا يَقْتَضِي خِلافَهُ مِثْل أَنْ يَقُولوا ضَمِنَّا لكَ , وَكُل وَاحِدٍ مِنَّا الأَلفَ التِي لكَ عَلى فُلانٍ فَإِنَّ كُل وَاحِدٍ يَلزَمُهُ الأَلفُ حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا مَعَ إطْلاقِ ضَمَانِ الأَلفِ مِنْهُمْ بِالحِصَّةِ وَهَذَا قَوْل القَاضِي فِي المُجَرَّدِ وَالخِلافِ وَصَاحِبِ المُغْنِي وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي المَسْأَلةِ احْتِمَاليْنِ وَبَنَاهُ القَاضِي عَلى أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الضَّامِنَيْنِ فَيَصِيرُ الضَّمَانُ مُوَزَّعًا عَليْهِمَا وَعَلى هَذَا فَلوْ كَانَ المَضْمُونُ دَيْنًا مُتَسَاوِيًا عَلى رَجُليْنِ فَهَل يُقَال كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لنِصْفِ الدَّيْنَيْنِ أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لأَحَدِهِمَا بِانْفِرَادٍ؟ إذَا قُلنَا بِصِحَّةِ ضَمَانِ المُبْهَمِ يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ وَالأَوَّل أَشْبَهُ بِكَلامِ الأَصْحَابِ , وَشَبِيهٌ بِهَذِهِ المَسْأَلةِ مَا إذَا كَفَل اثْنَيْنِ شَخْصًا لآخَرَ فَسَلمَهُ أَحَدُهُمَا إلى المَكْفُول لهُ فَهَل يَبْرَأُ الكَفِيل الآخَرُ أَمْ لا عَلى وَجْهَيْنِ: أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لا يَبْرَأُ ; لأَنَّهُمَا كَفَالتَانِ وَالوَثِيقَتَانِ إذَا انْحَلتْ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ تَوْفِيَةٍ بَقِيَتْ الأُخْرَى كَالضَّامِنَيْنِ إذَا بَرِئَ أَحَدُهُمَا وَهَذَا قَوْل القَاضِي وَأَصْحَابِهِ.
وَالثَّانِي: يَبْرَأُ ; لأَنَّ التَّوْفِيَةَ قَدْ وُجِدَتْ بِالتَّسْليمِ فَهُوَ كَمَا لوْ سَلمَ المَكْفُول نَفْسَهُ أَوْ وَفَّى أَحَدُ الضَّامِنَيْنِ الدَّيْنَ وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الكَافِي وَقَوْل الأَزَجِيِّ فِي نِهَايَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ السَّامِرِيِّ فِي فُرُوقِهِ وَهُوَ يَعُودُ إلى أَنَّهَما كَفَالةٌ وَاحِدَةٌ وَالأَظْهَرُ أَنَّهُمَا إنْ كَفَلا كَفَالةَ الاشْتِرَاكِ فَإِنْ قَالا: كَفَلنَا لكَ زَيْدًا نُسَلمُهُ إليْكَ فَإِذَا سَلمَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ الآخَرُ ; لأَنَّ التَّسْليمَ المُلتَزَمَ وَاحِدٌ فَهُوَ كَأَدَاءِ أَحَدِ الضَّامِنَيْنِ للمَال , وَإِنْ كَفَلا كَفَالةَ انْفِرَادٍ وَاشْتِرَاكٍ بِأَنْ قَالا كُل وَاحِدٍ مِنْهَا كَفِيلٌ لكَ بِزَيْدٍ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُلتَزِمٌ لهُ إحْضَارًا فَلا يَبْرَأُ بِدُونِهِ مَا دَامَ الحَقُّ بَاقِيًا عَلى المَكْفُول فَهُوَ كَمَا لوْ كَفَلا في عَقْدَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ وَهَذَا قِيَاسُ قَوْل القَاضِي فِي ضَمَانِ الرَّجُليْنِ للدَّيْنِ.
وَاعْلمْ أَنَّ عُقُودَ التوثقات وَالأَمَانَاتِ إذَا اشْتَمَلتْ عَلى جُمَلٍ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ فِيهَا تَوْزِيعُ أَفْرَادِ الجُمْلةِ أَوْ أَجْزَائِهَا عَلى أَفْرَادِ الجُمْلةِ المُقَابِلةِ لهَا أَوْ عَلى أَجْزَاءِ العَيْنِ المُقَابِلةِ لهَا فَيُقَابَل كُل مُفْرَدٍ لمُفْرَدٍ أَوْ كُل مُفْرَدٍ لجُزْءٍ أَوْ كُل جُزْءٍ لجُزْءٍ , وَيُمْكِنُ تَوْزِيعُ كُل فَرْدٍ مِنْ الجُمْلةِ عَلى مَجْمُوعِ أَفْرَادِ الجُمْلةِ الأُخْرَى أَوْ أَجْزَائِهَا فَيَثْبُتُ الاشْتِرَاكُ بِالإِشَاعَةِ وَيَكُونُ العَقْدُ عَلى هَذَيْنِ الاحْتِمَاليْنِ وَاحِدًا وَيُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ التَّوْثِقَةِ وَالأَمَانَةِ بِكَمَالهِ لكُل فَرْدٍ فَرْدٌ فَيَكُونُ هَاهُنَا عُقُودٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ المَسَائِل التَّفْرِيعَ عَلى هَذِهِ الاحْتِمَالاتِ الثَّلاثَةِ: فَأَمَّا عُقُودُ التَّمْليكَاتِ فَلا يَتَأَتَّى فِيهَا الاحْتِمَال الثَّالثُ وَلوْ قِيل بِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ