الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا عُمِلَ بِالأَصْلِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ:
منها: إذَا ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ بَعْدَ طُولِ مَقَامِهَا مَعَ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَمْ تُوصِلْهَا النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَلاَ الْكِسْوَةُ. فَقَالَ الأَصْحَابُ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا؛ لاِنَّ الأَصْلَ مَعَهَا مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تَبْعُدُ ذَلِكَ جِدًّا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الرُّجُوعَ إلَى الْعَادَةِ وَخَرَّجَهُ وَجْهًا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: وَإِذَا وُجِدَ مَعَهَا نَظِير الصَّدَاقِ أَوْ الْكِسْوَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا سَبَبٌ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا إذَا أَصْدَقهَا تَعْلِيمَ سُورَةٍ ثُمَّ وُجِدَتْ مُتَعَلِّمَةً لَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ وَقَالَتْ لَمْ يُعَلِّمْنِي الزَّوْجُ، وَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ عَلَّمَهَا فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ.
وَمنها: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ أَوْ النَّجَاسَةَ فِي مَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ بَدَنٍ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ زَوَالَهُ، وَلاَ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَلاَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا أَوْ نَجَاسَةً وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَغَيْرِهِمَا.
وَمنها: إذَا شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، أَحْمَدُ، وَلاَ عِبْرَةَ فِي ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَبِالْقَرَائِنِ وَنَحْوِهَا مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إلَى إخْبَارِ ثِقَةٍ بِالطَّلْعِ.
وَمنها: إذَا زَنَى مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَوَلَدٌ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ وَطِئَ زَوْجَتَهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لاَ يُرْجَمُ؛ لاِنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الْوَطْءِ وَلُحُوقُ النَّسَبِ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الإِمْكَانِ وَوُجُودِ الْقَرَائِنِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا عُمِلَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى الأَصْلِ وَلَهُ صُوَرٌ:
منها: إذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي تَرْكِ رُكْنٍ منها فَإِنَّهُ لاَ يَلْتَفِتُ إلَى الشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ عَدَمَ الإِتْيَانِ بِهِ وَعَدَمَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لِلْعِبَادَاتِ أَنْ تَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَيَرْجِعُ هَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الأَصْلِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ، وَفِي الْوُضُوءِ وَجْهٌ أَنَّ الشَّكَّ فِي تَرْكِ بَعْضِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ كَالشَّكِّ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْفَرَاغِ؛ لاِنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا.
وَمنها: لَوْ صَلَّى ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً وَشَكَّ هَلْ لَحِقَتْهُ قَبْلَ الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَأَمْكَنَ الأَمْرَانِ فَالصَّلاَةُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ عَدَمَ انْعِقَادِ الصَّلاَةِ وَبَقَاؤُهَا فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ صِحَّتَهَا، لَكِنْ حُكِمَ بِالصِّحَّةِ؛ لاِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ أَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ وَجَرَيَانُهَا عَلَى الْكَمَالِ وَعَضَّدَ ذَلِكَ أَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ مُقَارَنَةِ الصَّلاَةِ لِلنَّجَاسَةِ، وَتُرْجَعُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ إلَى تَعَارُضِ أَصْلَيْنِ رُجِّحَ أَحَدُهُمَا بِظَاهِرٍ عَضَّدَهُ.