فهرس الكتاب

الصفحة 486 من 593

وَمنها: إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي بَعْضِ شَرَائِطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، كَمَا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صُورَةِ دَعْوَى الصَّغِيرِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لاِنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْعُقُودِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ دُونَ الْفَسَادِ وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ عَدَمَ الْبُلُوغِ وَالإِذْنِ. وَذَكَرَ الأَصْحَابُ وَجْهًا آخَرَ فِي دَعْوَى الصَّغِيرِ أَنَّهُ يُقْبَلُ؛ لاِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ تَكْلِيفُهُ وَالأَصْلُ عَدَمُهُ، بِخِلاَفِ دَعْوَى عَدَمِ الإِذْنِ مِنْ مُكَلَّفٍ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ لاَ يَتَعَاطَى فِي الظَّاهِرِ إلاَ الصَّحِيحَ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَكَذَا يَجِيءُ فِي الإِقْرَارِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إذَا اخْتَلَفَا هَلْ وَقَعَتْ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لاِنَّ الأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا عَامٌّ وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ وَقْتُ التَّصَرُّفِ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِبُلُوغِهِ أَوْ لاَ يَتَيَقَّنُ، فَأَمَّا مَعَ تَيَقُّنِ الشَّكِّ قَدْ تَيَقَّنَّا صُدُورَ التَّصَرُّفِ مِمَّنْ لَمْ تَثْبُتْ أَهْلِيَّتُهُ وَالأَصْلُ عَدَمُهَا، فَقَدْ شَكَكْنَا فِي شَرْطِ الصِّحَّةِ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ، وَأَمَّا فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ صُدُورُهُ فِي حَالِ الأَهْلِيَّةِ وَحَالِ عَدَمِهَا وَالظَّاهِرُ صُدُورُهُ وَقْتَ الأَهْلِيَّةِ، وَالأَصْلُ عَدَمُهُ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَالأَهْلِيَّةُ هُنَا مُتَيَقِّنٌ وُجُودُهَا.

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالْبُلُوغِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مِثْلُ إسْلاَمِهِ بِإِسْلاَمِ أَبِيهِ أَوْ ثُبُوتُ الذِّمَّةِ لَهُ تَبَعًا لاِبِيهِ أَوْ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْوَلِيِّ لَهُ أَوْ تَزْوِيجِ وَلِيٍّ أَبْعَدَ مِنْهُ لِمُوَلِّيَتِهِ فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْبُلُوغِ حِينَئِذٍ أَمْ لاَ لِثُبُوتِ هَذِهِ الأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ فِي الظَّاهِرِ قَبْلَ دَعْوَاهُ؟ وَأَشَارَ إلَى تَخْرِيجِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا ارْتَجَعَ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجُهَا فَقَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي، وَشَبَّهَهُ أَيْضًا بِمَا إذَا ادَّعَى الْمَجْهُولُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلاَمِهِ ظَاهِرًا كَاللَّقِيطِ الْمُقِرِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ لاَ تُسْمَعُ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَوْ تَصَرَّفَ الْمَحْكُومُ بِحُرِّيَّتِهِ ظَاهِرًا كَاللَّقِيطِ ثُمَّ ادَّعَى الرِّقَّ فَفِي قَبُولِهِ خِلاَفٌ مَعْرُوفٌ.

وَمنها: إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولَ وَقْتِ الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلاَتُهُ وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَحَكَى عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّيَقُّنُ.

وَمنها: الْفِطْرُ فِي الصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَلَبَةِ ظَنِّ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ قَالَ لاَ يَجُوزُ الْفِطْرُ إلاَ مَعَ تَيَقُّنِ الْغُرُوبِ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لاِنَّ الْوَقْتَ عَلَيْهِ أَمَارَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا فَاكْتُفِيَ فِيهَا بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، بِخِلاَفِ مَا لاَ أَمَارَةَ عَلَيْهِ مِنْ إتْمَامِ الصَّلاَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ وَنَحْوِهَا، وَأَيْضًا فَالصَّلاَةُ وَالطَّهَارَةُ وَنَحْوُهُمَا كُلٌّ مِنْهُمَا عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ مَطْلُوبَةُ الْوُجُودِ إذَا شَكَّ فِي فِعْلِ شَيْءٍ منها فَالأَصْلُ عَدَمُهُ فَلاَ يُخْرَجُ مِنْ عُهْدَتِهِ إلاَ بِيَقِينٍ، وَالصَّوْمُ عِبَادَةٌ وَكَفٌّ عَنْ مَحْظُورَاتٍ خَاصَّةٍ، فَمَتَى لَمْ يَتَيَقَّنْ وُقُوعَ مَحْظُورَاتِهَا فِي وَقْتِهَا لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلاَنِهَا، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْخُرُوجِ منها بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ الْمُسَاوِي؛ لاِنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ الصَّوْمِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ ظَنٌّ يُعَارِضُهُ، فَإِذَا تَرَجَّحَ الظَّنُّ عُمِلَ بِهِ وَلَمْ يُحْكَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت