وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فَرْقٌ وَلاَ لِلْقُرْعَةِ فَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى رِوَايَةِ الْقُرْعَةِ أَنْ يُقَالَ: هِيَ زَوْجَةُ الْقَارِعِ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَسُكْنَاهَا، وَلَوْ مَاتَ وَرِثَتْهُ، لَكِنْ لاَ يَطَؤُهَا حَتَّى يُجَدِّدَ الْعَقْدَ فَيَكُونَ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ يُحِلُّ الْوَطْءَ فَقَطْ. وَلَعَلَّ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَوْ يُقَالُ: أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِالزَّوْجِيَّةِ إلاَ بِالتَّجْدِيدِ وَيَكُونُ التَّجْدِيدُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا كَمَا كَانَ الطَّلاَقُ وَاجِبًا عَلَى الْآخَرِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي كَلاَمِ أَحْمَدَ تَعَرُّضٌ لِطَلاَقٍ وَلاَ لِتَجْدِيدِ الْآخَرِ النِّكَاحَ فَإِنَّ الْقُرْعَةَ جَعَلَهَا الشَّارِعُ حُجَّةً وَبَيِّنَةً تُفِيدُ الْحِلَّ ظَاهِرًا كَالشَّهَادَةِ وَالنُّكُولِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لاَ يُوقَفُ مَعَهُ عَلَى حَقِيقَةِ الأَمْرِ فِي الْبَاطِنِ. وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ الْعِبَادُ بَلْ هُوَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ كَالْمَعْدُومِ مَا دَامَ مَجْهُولًا.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْقُرْعَةِ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ زَوْجَاتِهِ ثُمَّ أُنْسِيهَا فَإِنَّهَا تُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ الْبَوَاقِي فَكَذَلِكَ هَاهُنَا يُمَيَّزُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ مِنْ الْبَاطِلِ بِالْقُرْعَةِ وَيُفِيدُ حِلَّ الْوَطْءِ وَلاَ يُقَالُ هُنَاكَ الأَصْلُ فِيمَنْ لَمْ تخْرُجْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ وُقُوعَ الطَّلاَقِ عَلَيْهَا، وَهُنَا الأَصْلُ عَدَمُ انْعِقَادِ النِّكَاحِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلاَ يُبَاحُ الْوَطْءُ بِدُونِ تَيَقُّنِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ لاِنَّا نَقُولُ: الاِسْتِصْحَابُ بَطَلَ بِيَقِينِ وُقُوعِ الطَّلاَقِ الْمُحَرِّمِ. وَلِهَذَا أَبْطَلَ أَصْحَابُنَا الاِسْتِصْحَابَ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِبَاهِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ بِالنَّجِسِ وَمَنَعُوا اسْتِعْمَالَ أَحَدِهِمْ بِالتَّحَرِّي لاِنَّ الاِسْتِصْحَابَ زَالَ حُكْمُهُ بِيَقِينِ التَّنَجُّسِ. وَحِينَئِذٍ تَتَّفِقُ الصُّورَتَانِ؛ لاِنَّ فِي إحْدَاهُمَا اشْتَبَهَتْ الزَّوْجَةُ بِالْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا وَفِي الْأُخْرَى اشْتَبَهَ الزَّوْجُ بِغَيْرِهِ وَكَوْنِ أَحَدِهِمَا لَهُ أَصْلًا فِي الْحِلِّ دُونَ الْآخَرِ لاَ أَثَرَ لَهُ عِنْدَنَا. وَلِهَذَا يُسَوَّى بَيْنَ اشْتِبَاهِ الْبَوْلِ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَاشْتِبَاهِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِالطَّاهِرِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ وَلَدَ إحْدَى إمَائِهِ ابْنُهُ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ بُيِّنَ بِالْقُرْعَةِ وَإِنْ كَانَ حُرَّ الأَصْلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّجَّادِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَمَنْ قُرِعَ أُمِرَ صَاحِبُهُ بِالطَّلاَقِ ثُمَّ جَدَّدَ الْآخَرُ نِكَاحَهُ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْقَاضِي فِي بَعْضِ مَجَامِيعِهِ قَالَ: حَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْجَزَرِيُّ قَالَ سُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى صَدَاقٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ قَبْلَ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا، فَحَضَرَ ثَلاَثَةُ رِجَالٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ زَوَّجَنِي أَبُوك مِنْك عَلَى صَدَاقٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَبَضَهَا مِنِّي، وَعَدِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْبَيِّنَةَ فِي الْحَالِ وَقَالَتْ الْبِنْتُ: أَعْلَمُ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَزَوَّجَنِي يَقِينًا وَلَكِنْ لاَ أَعْرِفُهُ عَيْنًا فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ: تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ فَيُجْبَرُ الثَّلاَثَةُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَقْتَرِعُ بَيْنَ الثَّلاَثَةِ عَلَى الأَلْفِ فَأَيُّهُمْ كَانَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ أَخَذَ الأَلْفَ ثُمَّ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: تَزَوَّجِي أَيَّهمْ شِئْت إنْ أَحْبَبْتِ