وَمنها: إذَا مَاتَ الْمُتَوَارِثَانِ وَعُلِمَ أَسْبَقُهُمَا مَوْتًا ثُمَّ نَسِيَ. فَقَالَ الْقَاضِي: لاَ يَمْتَنِعُ أَنْ نَقُولَ هُنَا بِالْقُرْعَةِ لِتَعْيِينِ السَّابِقِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَا لَوْ جَهِلُوا الْحَالَ أَوْ لاِنَّهُ يُوَرَّثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ مِنْ تِلاَدِ مَالِهِ دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ، وَلَوْ ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبْقِ الْآخَرِ وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُمَا، أَوْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: يُعَيَّنُ السَّابِقُ بِالْقُرْعَةِ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَضَعَّفَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْخِلاَفِ. وَالثَّانِي: يَتَوَارَثَانِ كَمَا لَوْ جَهِلَ الْوَرَثَةُ الْحَالَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَالثَّالِثُ: يَحْلِفُ وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لاِسْقَاطِ دَعْوَى الْآخَرِ وَلاَ يَتَوَارَثَانِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ؛ لاِنَّ وَرَثَةَ كُلِّ وَاحِدٍ قَدْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَهُ لاِرْثِهِ، وَغَيْرُهُمْ يَدَّعِي عَلَيْهِمْ اسْتِحْقَاقَ مُشَارَكَةٍ وَهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ.
بِخِلاَفِ مَسَائِلِ الْغَرْقَى فَإِنَّ الْوَرَثَةَ مُتَّفِقُونَ فِيهَا عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالسَّابِقِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مُدَّعٍ لاِسْتِحْقَاقِ انْفِرَادِهِ بِمَالِ مَيِّتِهِ. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْخِلاَفِ: أَنَّهُ يُقْسَمُ الْقَدْرُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِنْ الْمِيرَاثِ بَيْنَ مُدَّعِيه نِصْفَيْنِ وَعَلَيْهِمَا الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً فِي أَيْدِيهمَا.
وَمنها: إذَا مَاتَ عَنْ زَوْجَاتٍ وَقَدْ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ طَلاَقًا يَقْطَعُ الإِرْثَ أَوْ كَانَ نِكَاحُ بَعْضِهِنَّ فَاسِدًا لاَ تَوارث فِيهِ، وَجَهِلَ عَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَذَاتَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهَا تُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ، وَالْمِيرَاثُ لِلْبَوَاقِي نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَمنها: الأَوْلِيَاءُ الْمُسْتَوُونَ فِي النِّكَاحِ إذَا تَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَإِنْ سَبَقَ مَنْ أَخْطَأَتْهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لاَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَمنها: لَوْ زَوَّجَ وَلِيَّانِ مِنْ اثْنَيْنِ وَجُهِلَ أَسْبَقُ الْعَقْدَيْنِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. أَحَدُهُمَا: يَمِينُ الأَسْبَقِ بِالْقُرْعَةِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ وَلاَ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَلاَ يَحْتَاج الْآخَرُ إلَى طَلاَقٍ هَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِوَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِوَالْخِلاَفِ وَالرِّوَايَتَيْنِ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْآخَرَ يُؤْمَرُ بِالطَّلاَقِ كَمَا يُطَلِّقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ نِكَاحٌ مُنْعَقِدٌ بِخِلاَفِ النَّاكِحِ نِكَاحًا فَاسِدًا، وَأَيْضًا فَمُجَرَّدُ طَلاَقِهِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُ هُوَ السَّابِقَ لاَ يُفِيدُ حِلَّ الْمَرْأَةِ لِلْآخَرِ، فَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الأَصْحَابِ: يُجَدِّدُ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ النِّكَاحَ لِتَحِلَّ لَهُ بِيَقِينٍ. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّجَّادِ ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّهُ لاَ يَبْقَى حِينَئِذٍ مَعْنَى لِلْقُرْعَةِ فَإِنَّهُ إذَا أَمَرَ أَحَدُهُمَا بِالطَّلاَقِ وَأَمَرَ الْقَارِعَ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ فَقَدْ خَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِيَّتِهِمَا مَعًا، فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا وَمِنْ غَيْرِهِمَا. وَلاَ فَائِدَةَ حِينَئِذٍ لِلْقُرْعَةِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ قَوْلُ مِنْ يَقُولُ بِفَسْخِ نِكَاحِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي.