فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 593

فَمَنْ قُرِعَ لَهُ حَلَفَ وَأَخَذَ الْعَيْنَ. هَكَذَا حَكَى الْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَتَبِعَهُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الأَصْحَابِ وَأَنْكَرَهَا فِي كِتَابِ الْمُجَرَّدِ وَالْخِلاَفِ. وَقَالَ: إنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ يَسْقُطَانِ بِالتَّعَارُضِ وَتَصِيرُ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فَقَالَ: لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ جَمِيعًا أَسْقَطْتَ الْبَيِّنَتَيْنِ جَمِيعًا لاِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَدْ أَكَذَبَتْ صَاحِبَتَهَا وَيَسْتَهِمَانِ عَلَى الْيَمِينِ. وَحَكَى ابْنُ شِهَابٍ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ يُوقَفُ الأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمُنَازَعُ فِيهَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَلاَ تَعَارُضَ، بَلْ تُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، إلاَ أَنْ يَكُونَ التَّنَازُعُ فِي سَبَبِ الْيَدِ بِأَنْ يَدَّعِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ أَوْ اتَّهَبَهَا مِنْهُ وَيُقِيمَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي. وَالثَّانِيَةُ: يَتَعَارَضَانِ؛ لاِنَّ السَّبَبَ الْيَدُ هُوَ نَفْسُ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَلاَ تَبْقَى مُؤَثِّرَةً لاِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مِلْكَ هَذِهِ الدَّارِ لِزَيْدٍ وَعَنْهُ وهُوَ متلقي فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلْيَدِ تَأْثِيرٌ لاِنَّهُ قَدْ عَلِمَ مُسْتَنَدَهَا وَهُوَ الشِّرَاءُ الَّذِي عُورِضَ بِمِثْلِهِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَصَاحِبِ الْمُحَرِّرِ. وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ هَاهُنَا وَابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِالْقُرْعَةِ.

وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ بَاعَ ثَوْبًا فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِائَتَيْنِ وَالْبَائِعُ يَقُولُ: بِعْتُهُ بِمِائَتَيْنِ وَالثَّوْبُ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدُ. قَالَ لَيْسَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِشَيْءٍ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ لَهُ بِاَلَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَلاَ يَدْرِي أَيَّهُمَا اشْتَرَاهُ أَوَّلًا قَالَ لاَ يَنْفَعُهُ مَا فِي يَدِهِ إذَا كَانَ مُقِرًّا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلاَنٍ فَلاَ يَنْفَعُهُ مَا فِي يَدِهِ.

وَالْعَجَبُ أَنَّ الْقَاضِيَ فِي الْمُجَرَّدِ حَكَى هَذَا النَّصَّ عَنْ أَحْمَدَ وَذَكَرَ أَنَّهُ أَجَابَ بِقِسْمَةِ الثَّوْبِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَيْدِيهمَا، وَإِنَّمَا أَجَابَ أَحْمَدُ فِيهِ بِالْقُرْعَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنَّمَا الْمُجِيبُ بِالْقِسْمَةِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَإِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ يَذْكُرُ لاِحْمَدَ أَوَّلًا الْمَسْأَلَةَ، وَجَوَابَ سُفْيَانَ فِيهَا فَيُجِيبُهُ أَحْمَدُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمُوَافَقَةِ أَوْ بِالْمُخَالِفَةِ فَرُبَمَا يُشْتَبَهُ جَوَابُ أَحْمَدَ بِجَوَابِ سُفْيَانَ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي كَثِيرًا فَلْيُنَبَّهْ لِذَلِكَ وَلْيُرَاجِعْ كَلاَمَ أَحْمَدَ مِنْ أَصْلِ مَسَائِلِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَوَقَعَ فِي الإِرْشَادِ لاِبْنِ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا وَقَعَ لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّوْبُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا.

وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَتَانِ بِالْعَقْدَيْنِ أَوْ الإِقْرَارَيْنِ أَوْ الْحُكْمَيْنِ أَنْ يُصَدَّقَ الْبَيِّنَتَانِ بِهِ إنْ عُلِمَ السَّابِقُ وَإِلاَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْعَقْدَيْنِ وَلاَ يُعْلَمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا. فَهُنَا إمَّا أَنْ يُقْرِعَ أَوْ يَبْطُلَ الْعَقْدَانِ، فَلاَ يَبْقَى هُنَا عَقْدٌ صَحِيحٌ يُحْكَمُ بِهِ فَيَقَرَّ فِي يَدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت