وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الطَّرِيقَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّر وَمَضْمُونُهَا أَنَّا إنْ قُلْنَا: الْعَبْدُ يَمْلِكُ لَمْ يُشْتَرَطْ لِمَالِهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ بِحَالٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَقْصُودًا لِلْمُشْتَرِي اُشْتُرِطَ لَهُ شَرَائِطُ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ لَهُ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ ذَلِكَ.
وَمنها: إذَا أَذِنَ الْمُسْلِمُ لِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِمَالِهِ عَبْدًا مُسْلِمًا فَاشْتَرَاهُ فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ صَحَّ وَكَانَ مَمْلُوكًا لِلسَّيِّدِ. قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي. قُلْتُ: وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لاَ يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ شِرَاءُ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ بِالْوَكَالَةِ وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ بِأَنْ يَأْذَنَ الْكَافِرُ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ رَقِيقًا مُسْلِمًا. فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ صَحَّ وَكَانَ الْعَبْدُ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ لَمْ يَصِحَّ.
وَمنها: تَسَرِّي الْعَبْدِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلاَفِ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ جَازَ تَسَرِّيهِ وَإِلاَ فَلاَ؛ لاِنَّ الْوَطْءَ بِغَيْرِ نِكَاحٍ وَلاَ مِلْكِ يَمِينٍ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَالأَصْحَابِ بَعْدَهُ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ تَسَرِّيهِ عَلَى كِلاَ الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَرَجَّحَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي وَهِيَ أَصَحُّ فَإِنَّ مَنْصُوصَ أَحْمَدَ لاَ تَخْتَلِفُ فِي إبَاحَةِ التَّسَرِّي لَهُ، فَتَارَةً عَلَّلَ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ وَتَارَةً اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ خِلاَفُ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ جَازَ لاِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَجَازَ له التَّسَرِّي وَإِنْ قِيلَ إنه لاَ يَمْلِكُ اتِّبَاعًا لِلصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ لاَ يَمْلِكُ فَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِلْكُ مَا يَحْتَاجُ إلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ عَقْدَ النِّكَاحِ وَهُوَ مِلْكٌ لِمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ فَكَذَلِكَ يَمْلِكُ التَّسَرِّي وَيَثْبُتُ لَهُ هَذَا الْمِلْكُ الْخَاصُّ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَلاَ يَجُوزُ تَسَرِّيهِ بِدُونِ إذْنٍ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ كَنِكَاحِهِ؛ وَلاِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ بِمَا يُتْلِفُ مَالِيَّتَهُ وَيَضُرُّ بِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ بِهِ، وَالتَّسَرِّي فِيهِ إضْرَارٌ بِالْجَارِيَةِ، وَتَنْقِيصٌ لِمَالِيَّتِهَا بِالْوَطْءِ وَالْحَمْلِ وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى تَلَفِهَا.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ يَتَسَرَّى الْعَبْدُ فِي مَالِهِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَسَرَّى عَبِيدُهُ فِي مَالِهِ فَلاَ يَعِيبُ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْقَاضِي فِيمَا عَلَّقَهُ عَلَى حَوَاشِي الْجَامِعِ لِلْخَلاَلِ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَسَرِّيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ لَهُ لاِنَّهُ مَالِكٌ لَهُ. انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ نَصُّ اشْتِرَاطِهِ عَلَى التَّسَرِّي مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ وَنَصُّهُ يُقَدَّمُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَسَرِّيهِ فِي مَالِ نَفْسِهِ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَقَدْ أَوْمَأَ إلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَهُوَ الأَظْهَرُ وَنَقَلَ الأَثْرَمُ عَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِعَبْدِهِ جَارِيَةً لاَ يَطَؤُهَا وَلَكِنَّهُ يَتَسَرَّى فِي مَالِهِ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَفَسَّرَ مَالَهُ بِمَالِ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ وَهَذَا فِي اعْتِبَارِ الإِذْنِ فِي التَّسَرِّي مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَتَفْرِيقِهِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الأَمَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ فِيهِ إشْكَالٌ وَلَعَلَّهُ مَنَعَ الْوَطْءَ بِدُونِ إذْنِ السَّيِّدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ اشْتِرَاطًا لاِذْنِ السَّيِّدِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ مُتَرَدِّدٌ فِي تَسَرِّي الْعَبْدِ بِأَمَةِ سَيِّدِهِ وَنِكَاحِهِ هَلْ هُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ أَمْ لاَ؟ فَقَالَ