ظلاله ج 1/ص 143،"أن هناك قتلى سيخرون شهداء في معركة الحق. شهداء في سبيل الله. قتلى أعزاء أحياء، قتلى أزكياء أحباء - فالذين يخرجون في سبيل الله والذين يضحون بأرواحهم في معركة الحق، هم عادة أكرم القلوب وأزكى الأرواح وأطهر النفوس - هؤلاء الذين يُقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتًا، إنهم أحياء، فلا يجوز أن يقال عنهم"أموات"ولا يجوز أن يعتبروا أمواتًا في الحس والشعور، ولا أن يقال عنهم أموات بالشفة واللسان، بل إنهم أحياء بشهادة الله سبحانه، فهم لابد أحياء. إنهم قتلوا في ظاهر الأمر، حسبما ترى العين، ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقررهما هذه النظرية السطحية الظاهرة ..."
إن سمة الحياة الأولى هي الفاعلية والنمو والامتداد. وسمة الموت هي السلبية والخمود والانقطاع"وهؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله فاعليتهم في نصرة الحق الذي قتلوا من أجله فاعليه مؤثرة، والفكرة التي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتد، وتأثر الباقين وراءهم باستشهادهم يقوى ويمتد، فهم ما يزالون عنصرًا فعالًا دافعًا في تكييف الحياة وتوج يهها، وهذه هي صفة الحياة الأولى فهم أحياء أولًا بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس. ثم هم أحياء عند ربهم إما بهذا الاعتبار أو باعتبار آخر، لا ندري نحن كنهه، وحسبنا إخبار الله تعالى به"أحياء ولكن لا تشعرون"لأن كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشري القاصر المحدود ولكنهم أحياء". وقد ورد في صحيح الأمام مسلم: عن"عبد الله بن مسره"عن مسروق قال: سألت عبد الله عن هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون"(آل عمران-169) ، قال: أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث تشاء ثم تأوي إلى القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث نشاء؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجه تركوا". إذن هم أحياء يسرحون في الجنة حيث شاءوا"يرزقون"وهل الرزق إلا للأحياء؟ ولكن كيفية الرزق وماهية الرزق نحن لا ندريها، لأنها من عالم الغيب المأمورين بالإيمان به ونحن في عالم الشهادة المأمورين بالسعي فيه لطلب الرزق والتفكر فيه لطلب القرب من الله. ورغم أنهم قُتلوا، إلا أن الله سبحانه استخدم ألفاظا تُدلل على أفعال، هي من خصائص الأحياء، مثل قوله { ... فرحين بما آتاهم الله من فضله ... } ، والفرح سِمة من سمات الأحياء. و { ... ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ... } ، أملا ويقينا بفوزهم طالما هم في دائرة الإسلام، { ... ويستبشرون بنعمة من الله وفضل ... } ، فالإنسان يفرح للرزق، ويفرح للنعمة الآتية إليه من ربه، ويفرح للفضل والزيادة في النعيم، والله أعلم أن المقصود هنا بالفضل، النظر لوجه الله الكريم في الجنة، وهذه كلها سمات من سمات الأحياء. وهم أحياء عند ذويهم، بحيث لا ينساهم أهلهم ولا ذويهم ولا أمتهم ويستشهدون بهم في كثير من المناسبات، ويفتخرون ببطولتهم، ويعاهدونهم على مواصلة الدرب، بينما الأموات الذين يموتون على جنوبهم وفي بيوتهم، في الغالب يُنسون، إن لم يكن لهم علم نافع تركوه خلفهم يحيي ذكراهم، أو تاريخ ناصع يؤثر في مجريات الأحداث فلن يُذكروا فيما بعد. فهذا