وكان أمر الله قدرا مقدورا وقدكان ارسل هولاكو يقول لأهل حلب نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق فاجعلوا لنا عندكم شحنة فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا وان كانت علينا فإن شئتم قبلتم الشحنة وإن شئتم أطلقتموه فأجابوه مالك عندنا إلا السيف فتعجب من ضعفهم وجوابهم فزحف حينئذ إليهم واحاط بالبلد وكان ما كان بقدر الله سبحانه ولما فتحت حلب ارسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو فاستناب عليها رجلا من العجم يدعى أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له خسر وشاه فخرب أسوارها كمدينة حلب
أرسل هولاكو وهو نازل على حلب جيشا مع امير من كبار دولته يقال له كتبغانوين فوردوا دمشق في آخر صفر فاخذوها سريعا من غير ممانعة ولا مدافع بل تلقاهم كبارها بالرحب والسعة وقد كتب هولاكو أمانا لأهل البلد فقرئ بالميدان الاخضر ونودي به في البلد فأمن الناس على وجل من الغدر كما فعل باهل حلب هذا والقلعة ممتنعة مستورة وفي أعاليها المجانيق منصوبة والحال شديدة فاحضرت التتار منجنيقا يحمل على عجل والخيول تجرها وهم راكبون على الخيل وأسلحتهم على أبقار كثيرة فنصب المنجانيق على القلعة من غربيها وخربوا حيطانا كثيرة وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعة رميا متواترا كالمطر المتدارك فهدموا كثيرا من أعاليها وشرافاتها وتداعت للسقوط فاجابهم متوليها في آخر ذلك النهار للمصالحة ففتحوها وخربوا كل بدنة فيها وأعالي بروجها وذلك في نصف جمادي الاولى من هذه السنة وقتلوا المتولى بها بدرا لدين بن قراجا ونقيبها جمال الدين ابن الصيرفي الحلبي وسلموا البلد والقلعة إلى أمير منهم يقال له ابل سيان وكان لعنه الله معظما لدين النصارى فاجتمع به اساقفتهم وقسوسهم فعظمهم جدا وزار كنائسهم فصارت لهم دولة وصولة بسببه وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا معهم هدايا وتحفا وقدموا من عنده ومعهم امان فرمان من جهته ودخلوا من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤس الناس وهم ينادون بشعارهم ويقولون ظهر الدين الصحيح دين المسيح ويذمون دين الإسلام وأهله ومعهم اواني فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلآ رشوا عنده خمرا وقماقم ملانة خمرا يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم ويأمرون كل من يجتازون به في الازقة والاسواق ان يقوم لصليبهم ودخلوا من درب الحجر فوقفوا عند رباط الشيخ ابي البيان ورشوا عنده خمرا وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير واجتازوا في السوق حتى وصلوا درب الريحان أو قريب منه فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم فوقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفه السوق فمدح دين النصارى وذم دين الإسلام واهله فانا لله وإنا إليه راجعون ثم دخلوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم وكانت عامرة ولكن كان هذا سبب خرابها ولله الحمد وحكى الشيخ قطب الدين في ذيله على المرآة أنهم ضربوا بالناقوس في كنيسة مريم فالله اعلم قال وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيرا من المساجد وغيرها ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها ابل سيان فأهينوا وطردوا وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم فإنا لله