سَاعَةِ الْعُسْرِ وَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ الْإِسَارِ مَا كَفَرْنَا بَعْدَ إيمَانِنَا وَلَكِنْ شَحِحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ يَعْنِي فِيمَا أَرَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّهُ مُجَاهِدُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَأَنَّ الزَّكَاةَ مِثْلُهَا وَلَعَلَّ مَذْهَبَهُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْهِمْ شَهَادَةَ الْحَقِّ وَالصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَأَنَّهُ مَتَى مَنَعَ فَرْضًا قَدْ لَزِمَهُ لَمْ يُتْرَكْ وَمَنْعَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ أَوْ يُقْتَلَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَسَارَ إلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ بِنَفْسِهِ حَتَّى لَقِيَ أَخَا بَنِي بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ فَقَاتَلَهُ مَعَهُ عُمَرُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أَمْضَى أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي قِتَالِ مَنْ ارْتَدَّ وَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ مَعًا فَقَاتَلَهُمْ بِعَوَامَّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فَفِي هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنْ مَنْ مَنَعَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْدِرْ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ بِامْتِنَاعِهِ قَاتَلَهُ وَإِنْ أَتَى الْقِتَالُ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى كُلُّ حَقٍّ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَنَعَهُ قَالَ فَإِذَا امْتَنَعَ رَجُلٌ مِنْ تَادِيَةِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ وَالسُّلْطَانُ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ أَخَذَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ وَذَلِكَ أَنْ يَقْتُلَ فَيَقْتُلَهُ أَوْ يَسْرِقَ فَيَقْطَعَهُ أَوْ يَمْنَعَ أَدَاءَ دَيْنٍ فَيُبَاعَ فِيهِ مَالُهُ أَوْ زَكَاةٍ فَتُؤْخَذَ مِنْهُ فَإِنْ امْتَنَعَ دُونَ هَذَا أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ بِجَمَاعَةٍ وَكَانَ إذَا قِيلَ لَهُ أَدِّ هَذَا قَالَ لَا أُؤَدِّيه وَلَا أَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ إلَّا أَنْ تُقَاتِلُونِي قُوتِلَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُقَاتِلُ عَلَى مَا مَنَعَ مِنْ حَقٍّ لَزِمَهُ وَهَكَذَا مَنْ مَنَعَ الصَّدَقَةَ مِمَّنْ نُسِبَ إلَى الرِّدَّةِ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَمَانِعُ الصَّدَقَةِ مُمْتَنِعٌ بِحَقٍّ نَاصِبٍ دُونَهُ فَإِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قِتَالِهِ فَالْبَاغِي يُقَاتِلُ الْإِمَامَ الْعَادِلَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَنَّهُ لَا يُعْطِي الْإِمَامَ الْعَادِلَ حَقًّا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَيَمْتَنِعُ مِنْ حُكْمِهِ وَيَزِيدُ عَلَى مَانِعِ الصَّدَقَةِ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَحْكُمَ هُوَ عَلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَيُقَاتِلَهُ فَيَحِلَّ قِتَالُهُ بِإِرَادَتِهِ قِتَالَهُ الْإِمَامَ قَالَ وَقَدْ قَاتَلَ أَهْلُ الِامْتِنَاعِ بِالصَّدَقَةِ وَقُتِلُوا ثُمَّ قُهِرُوا فَلَمْ يُقِدْ مِنْهُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكِلَا هَذَيْنِ مُتَأَوِّلٌ أَمَّا أَهْلُ الِامْتِنَاعِ فَقَالُوا قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤَدِّيَهَا إلَى رَسُولِهِ كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} وَقَالُوا لَا نَعْلَمُهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤَدِّيَهَا إلَى غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا أَهْلُ الْبَغْيِ فَشَهِدُوا عَلَى مَنْ بَغَوْا عَلَيْهِ بِالضَّلَالِ وَرَأَوْا أَنَّ جِهَادَهُ حَقٌّ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ قِصَاصٌ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَاحِدًا قُتِلَ عَلَى التَّاوِيلِ أَوْ جَمَاعَةً غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ ثُمَّ كَانَتْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مُمْتَنِعُونَ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَانَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا يَكُونُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَأَوِّلِينَ فَقَالَ لِي قَائِلٌ فَلِمَ قُلْت فِي الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ الْغَاصِبَةِ الْمُتَأَوِّلَةِ تَقْتُلُ وَتُصِيبُ الْمَالَ أُزِيلُ عَنْهَا الْقِصَاصِ وَغُرْمَ الْمَالَ إذَا تَلِفَ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَأَوَّلَ فَقَتَلَ أَوْ أَتْلَفَ مَالًا اقْتَصَصْت مِنْهُ وَأَغْرَمْته الْمَالَ؟ فَقُلْت لَهُ وَجَدْت اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} {وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يُحِلُّ دَمَ مُسْلِمٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ} وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مِنْ اعْتَبَطَ مُسْلِمًا بِقَتْلٍ فَهُوَ قَوَدُ يَدِهِ} وَوَجَدْت اللَّهَ تَعَالَى قَالَ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا