زنى وإن سرق. وإن شرب الخمر .. فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية. ومن ثم إفراده بالحاكمية. فهي أخص خصائص الألوهية. وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا. ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره .. أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبدا ..
إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام. إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ..
هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس. بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض. من إقرار مبادى ء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .. إن الله نعما يعظكم به .. إن الله كان سميعا بصيرًا وقد ألممنا به إجمالا. فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلا ..
الدرس الثاني 59:الميزان طاعة الله ورسوله ورد الأمر إلى الله ورسوله
وبعد فالأمانة والعدل .. ما مقياسهما؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما؟ في كل مجال في الحياة، وفي كل نشاط للحياة؟
أنترك مدلول الأمانة والعدل؛ ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم؟ وإلى ما تحكم به عقولهم - أو أهواؤهم؟
إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان .. هذا حق .. ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات، متأثرا بشتى المؤثرات .. ليس هناك ما يسمى"العقل البشري"كمدلول مطلق! إنما هناك عقلي وعقلك، وعقل فلان وعلان، وعقول هذه المجموعة من البشر، في مكان ما وفي زمان ما .. وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى؛ تميل بها من هنا وتميل بها من هناك ..
ولا بد من ميزان ثابت، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها. ومدى الشطط والغلو، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات. وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان .. الميزان الثابت، الذي لا يميل مع الهوى، ولا يتأثر بشتى المؤثرات ..
ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين .. فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها. فتختل جميع القيم .. ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم.
والله يضع هذا الميزان للبشر، للأمانة والعدل، ولسائر القيم، وسائر الأحكام، وسائر أوجه النشاط، في كل حقل من حقول الحياة:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله؛ وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر .. منكم .. فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول. إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلا.
وفي هذا النص القصير يبين الله - سبحانه - شرط الإيمان وحد الإسلام. في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة؛ وقاعدة الحكم، ومصدر السلطان .. وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده؛ والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصا، من جزيئات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال؛ مما