الْأَخِيرِ عُرْفًا وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى رِئَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا نِيَابَةً عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لَكِنْ لَا تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ إلَّا بِشُرُوطٍ الإسلام وَالتَّكْلِيفُ وَالذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ وَالْكِفَايَةُ وَكَوْنِهِ قُرَشِيًّا وَاحِدًا عَلَى خِلَافٍ فِيهِمَا، فَإِنْ اجْتَمَعَ عَدَدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَالْإِمَامُ مَنْ انْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ بِأَهْلِ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ، فَإِنْ انْعَقَدَتْ لِاثْنَيْنِ بِبَلَدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَقِيلَ هِيَ لِلَّذِي عُقِدَتْ لَهُ بِبَلَدِ الْإِمَامِ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجُوزُ الْعَدَدُ فِي الْعَصْرِ الْوَاحِدِ وَالْبَلَدِ إجْمَاعًا إلَّا أَنْ تَتَبَاعَدَ الْأَمَاكِنُ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ حُكْمُ الْإِمَامِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ كَالْأَنْدَلُسِ وَخُرَاسَانَ فَيَجُوزُ التَّعَدُّدُ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ حُقُوقُ النَّاسِ وَأَحْكَامُهُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ الْأَئِمَّةَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ وُلَاةِ) أَيْ حُكَّامِ (أُمُورِهِمْ، وَ) مِنْ (عُلَمَائِهِمْ) وَالضَّمِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْمُرَادُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ السُّنَّةِ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} إذْ هُمْ أُمَرَاءُ الْحَقِّ الْعَالِمُونَ الْعَامِلُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَفِي الْحَدِيثِ: {مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي} وَالْمُؤَلِّفُ رحمه الله جَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فَإِنَّهُ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمْ أُمَرَاءُ الْحَقِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا، وَقِيلَ: الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ، فَالْمُجْتَهِدُ مِنْهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَلَا يُقَلِّدُ، وَالْمُقَلِّدُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ أَهْلِ الْعِلْمِ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذَّكَرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} إلَّا عَقَائِدَ الْإِيمَانِ فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ فِيهَا مِنْ الْقَادِرِ عَلَى النَّظَرِ الْمُوصِلِ لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ صِحَّةِ إيمَانِهِ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا كَمَا تَقَدَّمَ.
5 -مَا يَجِبُ لِأُولِي الْأَمْرِ عَلَى الرَّعِيَّةِ:
(1) - (طَاعَةُ أُولِي الْأَمْرِ) : دَلَّتْ النُّصُوصُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ، وَأَنَّ مَعْصِيَتَهُمْ حَرَامٌ، وَلَكِنْ الطَّاعَةُ الْوَاجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ التَّقَيُّدُ بِهَا لَيْسَتْ طَاعَةً مُطْلَقَةً. وَإِنَّمَا هِيَ طَاعَةٌ فِي حُدُودِ الشَّرْعِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لِأُولِي الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وَتُسَمَّى هَذِهِ الْآيَةُ (آيَةَ الْأُمَرَاءِ) . وَالطَّاعَةُ أَمْرٌ أَسَاسِيٌّ لِوُجُودِ الِانْضِبَاطِ فِي الدَّوْلَةِ. وَالطَّاعَةُ: امْتِثَالُ الْأَمْرِ. وَهِيَ مَاخُوذَةٌ مِنْ أَطَاعَ إذَا انْقَادَ. وَوُجُوبُ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قوله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} لِأَنَّ أَطِيعُوا) أَمْرٌ، وَالْأَمْرُ يَتَعَيَّنُ لِلْوُجُوبِ إذَا حَفَّتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلَيْهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ النَّصُّ قَرِينَةً جَازِمَةً تَصْرِفُ الْأَمْرَ إلَى الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ بِرَبْطِ الطَّاعَةِ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَيْ حَقِيقَةً. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ طَاعَةً مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، ثُمَّ جَاءَتْ السُّنَّةُ تُقَيِّدُ الطَّاعَةَ بِمَا لَا يَكُونُ مَعْصِيَةً، فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ الطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ} . وَعَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي} وَيَقُولُ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِمْ فِي الْآيَةِ (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) هُمْ الْأَئِمَّةُ وَمَنْ وَلَّاهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ. (