فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 677

حتى إذا صار طوفانا يطم ويعم، ويغمر وجه الأرض، ويطوي الدنس الذي يغشى هذا الوجه. وقد يئس الرسول من تطهيره، وغلب على أمره في علاجه. امتدت اليد القوية الرحيمة إلى الرسول الذي دعا دعوته، فتحرك لها الكون كله. امتدت له هذه اليد بالنجاة وبالتكريم:

وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ..

وظاهر من العبارة تفخيم السفينة وتعظيم أمرها. فهي ذات ألواح ودسر. توصف ولا تذكر لفخامتها وقيمتها. وهي تجري في رعاية الله بملاحظة أعينه. جزاء لمن كان كفر. وجحد وازدجر. وهو جزاء يمسح بالرعاية على الجفاء، وبالتكريم على الاستهزاء. ويصور مدى القوة التي يملك رصيدها من يغلب في سبيل الله. ومن يبذل طاقته، ثم يعود إليه يسلم له أمره وأمر الدعوة ويدع له أن ينتصر! ..

إن قوى الكون الهائلة كلها في خدمته وفي نصرته. والله من ورائها بجبروته وقدرته.

وعلى مشهد الانتصار الهائل الكامل؛ والمحق الحاسم الشامل، يتوجه إلى القلوب التي شهدت المشهد كأنها تراه. يتوجه إليها بلمسة التعقيب، لعلها تتأثر وتستجيب:

ولقد تركناها آية فهل من مدكر؟ ..

هذه الواقعة بملابساتها المعروفة. تركناها آية للأجيال فهل من مدكر؟ يتذكر ويعتبر؟

ثم سؤال لإيقاظ القلوب إلى هول العذاب وصدق النذير:

فكيف كان عذابي ونذر؟ ..

ولقد كان كما صوره القرآن. كان عذابا مدمرا جبارا. وكان نذيرا صادقا بهذا العذاب.

وهذا هو القرآن حاضرا، سهل التناول، ميسر الإدراك، فيه جاذبية ليقرأ ويتدبر. فيه جاذبية الصدق والبساطة، وموافقة الفطرة واستجاشة الطبع، لا تنفد عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد. وكلما تدبره القلب عاد منه بزاد جديد. وكلما صحبته النفس زادت له ألفة وبه أنسا:

ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟ ..

وهذا هو التعقيب الذي يتكرر، بعد كل مشهد يصور .. ويقف السياق عنده بالقلب البشري يدعوه دعوة هادئة إلى التذكر والتدبر، بعد أن يعرض عليه حلقة من العذاب الأليم الذي حل بالمكذبين.

كذبت عاد، فكيف كان عذابي ونذر؟ إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر. فكيف كان عذابي ونذر؟ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟ ..

وهذه هي الحلقة الثانية، أو المشهد الثاني من مشاهد التعذيب العنيف؛ والمصرع الذي يقف عليه بعد وقفته على مصرع قوم نوح. أول المهلكين.

يبدؤه بالإخبار عن تكذيب عاد. وقبل أن يكمل الآية يسأل سؤال التعجيب والتهويل: فكيف كان عذابي ونذر؟ .. كيف كان بعد تكذيب عاد؟ ثم يجيب ..

كان كما يصفه ذلك الوصف الخاطف الرعيب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت