فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 677

إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر. تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر .. والريح الصرصر: الباردة العنيفة. وجرس اللفظ يصور نوع الريح. والنحس: الشؤم. وأي نحس يصيب قوما أشد مما أصاب عاد. والريح تنزعهم وتجذبهم وتحطمهم. فتدعهم كأنهم أعجاز نخل مهشمة مقلوعة من قعورها؟!

والمشهد مفزع مخيف، وعاصف عنيف. والريح التي أرسلت على عاد"هي من جند الله"وهي قوة من قوى هذا الكون، من خلق الله، تسير وفق الناموس الكوني الذي اختاره؛ وهو يسلطها على من يشاء، بينما هي ماضية في طريقها مع ذلك الناموس، بلا تعارض بين خط سيرها الكوني، وأدائها لما تؤمر به وفق مشيئة الله. صاحب الأمر وصاحب الناموس:

فكيف كان عذابي ونذر؟ ..

يكررها بعد عرض المشهد. والمشهد هو الجواب!

ثم يختم الحلقة بالتعقيب المكرر في السورة وفق نسقها الخاص:

ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟ ..

ثم يمضي إلى المشهد التالي في السياق وفي التاريخ:

كذبت ثمود بالنذر. فقالوا: أبشرا منا واحدا نتبعه؟ إنا إذن لفي ضلال وسعر. أألقي الذكر عليه من بيننا؟ بل هو كذاب أشر. سيعلمون غدا من الكذاب الأشر. إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر. ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر. فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. فكيف كان عذابي ونذر؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر .. ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟ ..

وثمود كانت القبيلة التي خلفت عادا في القوة والتمكين في جزيرة العرب .. كانت عاد في الجنوب وكانت ثمود في الشمال. وكذبت ثمود بالنذر كما كذبت عاد، غير معتبرة بمصرعها المشهور المعلوم في أنحاء الجزيرة.

فقالوا: أبشرا منا واحدا نتبعه؟ إنا إذن لفي ضلال وسعر. أألقي الذكر عليه من بيننا؟ بل هو كذاب أشر ..

وهي الشبهة المكرورة التي تحيك في صدور المكذبين جيلا بعد جيل: أألقي الذكر عليه من بيننا؟ كما أنها هي الكبرياء الجوفاء التي لا تنظر إلى حقيقة الدعوة، إنما تنظر إلى شخص الداعية: أبشرا منا واحدا نتبعه؟!

وماذا في أن يختار الله واحدا من عباده .. والله أعلم حيث يجعل رسالته .. فيلقي عليه الذكر - أي الوحي وما يحمله من توجيهات للتذكر والتدبر - ماذا في هذا الاختيار لعبد من عباده يعلم منه تهيؤه واستعداده. وهو خالق الخلق. وهو منزل الذكر؟ إنها شبهة واهية لا تقوم إلا في النفوس المنحرفة. النفوس التي لا تريد أن تنظر في الدعوى لترى مقدار ما فيها من الحق والصدق؛ ولكن إلى الداعية فتستكبر عن اتباع فرد من البشر، مخافة أن يكون في اتباعها له إيثار وله تعظيم. وهي تستكبر عن الإذعان والتسليم.

ومن ثم يقولون لأنفسهم: أبشرا منا واحدا نتبعه؟ إنا إذا لفي ضلال وسعر .. أي لو وقع منا هذا الأمر المستنكر! وأعجب شيء أن يصفوا أنفسهم بالضلال لو اتبعوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت