فهرس الكتاب

الصفحة 655 من 677

إليها - غيبها وشهودها - ولحقيقة نفسه.. أي لحقيقة الإنسان ذاته.. ثم يكيف على أساسه تعامله مع هذه الحقائق جميعا. تعامله مع ربه تعاملا تتمثل فيه عبوديته لله وحده، وتعامله مع الكون ونواميسه ومع الأحياء وعوالمها، ومع أفراد النوع البشري وتشكيلاته تعاملا يستمد أصوله من دين الله - كما بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم - تحقيقا لعبوديته لله وحده في هذا التعامل.. وهو بهذه الصورة يشمل نشاط الحياة كله. ?فإذا تقرر أن هذا هو"المجتمع المسلم"، فكيف ينشأ هذا المجتمع؟ ما منهج هذه النشأة؟ إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشا جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله.. لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين لغير الله في العبادات والشعائر.. ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع.. ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة.. وتنقي شعائرها من التوجه بها لأحد غير الله - معه أو دونه - وتنقي شرائعها من التلقي عن أحد غير الله - معه أو من دونه -. عندئذ - وعندئذ فقط - تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلما كذلك.. فأما قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله - على النحو الذي تقدم - فإنهم لا يكونون مسلمين.. وأما قبل أن ينظموا حياتهم على هذا الأساس فلا يكون مجتمعهم مسلما.. ذلك أن القاعدة الأولى التي يقوم عليها الإسلام، والتي يقوم عليها المجتمع المسلم - وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - لم تقم بشطريها..وإذن فإنه قبل التفكير في إقامة نظام مجتمع إسلامي، وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام.. ينبغي أن يتجه الاهتمام أولا إلى تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله - في أي صورة من صورها التي أسلفنا - وأن يجتمع الأفراد الذين تخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في جماعة مسلمة.. وهذه الجماعة التي خلصت ضمائر أفرادها من العبودية لغير الله. اعتقادا وعبادة وشريعة. هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم، وينظم إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته وشريعته التي تتمثل فيها العبودية لله وحده.. أو بتعبير آخر تتمثل فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وهكذا كانت نشأة الجماعة المسلمة الأولى التي أقامت المجتمع المسلم الأول.. وهكذا تكون نشأة كل جماعة مسلمة، وهكذا يقوم كل مجتمع مسلم. إن المجتمع المسلم إنما ينشأ من انتقال أفراد ومجموعات من الناس من العبودية لغير الله - معه ـو من دونه - إلى العبودية لله وحده بلا شريك له، ثم من تقرير هذه المجموعات أنى تقيم نظام حياتها على أساس هذه العبودية..

وعندئذ يتم ميلاد جديد لمجتمع جديد، مشتق من المجتمع الجاهلي القديم، ومواجه له بعقيدة جديدة، ونظام للحياة جديد، يقوم على أساس هذه العقيدة، وتتمثل فيه قاعدة الإسلام الأولى بشطريه.. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. وقد ينضم المجتمع الجاهلي القديم بكامله إلى المجتمع الإسلامي الجديد وقد لا ينضم، كما أنه قد يهادن المجتمع الإسلامي او يحاربه. وإن كانت السنة قد جرت بأن يشن المجتمع الجاهلي حربا لا هوادة فيها. سواء على طلائع هذا المجتمع في مرحلة نشوئه - وهو أفراد أو مجموعات - أو على هذا المجتمع نفسه بعد قيامه فعلا - وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت