الفلاسفة الذين يفكرون في مصالح الناس، وهم بين جدران بيوتهم الأربعة قابعون، لا يعلمون أحوال الناس ولا إمكاناتهم واستعدادهم، وإنما يتخيلون مثلًا عليا فينشرونها بين الناس. وليس في مقدور كثير من الناس - وإن كان في مقدور بعضهم - أن يتصوروا إمكان تطبيق هذا الدين، لعدم وجود الدليل العملي على ذلك، لأن المسلمين يدعون أن هذا الدين يجمع الكلمة وهم متفرقون، وأن في هذا الدين عدلًا وهم يظلم بعضهم بعضًا، وأن في هذا الدين أمنًا، وهم يقتل بعضهم بعضا، ً ويثور بعضهم على بعض، وأن في هذا الدين محبة وأخوة الصادقة، وهم قد امتلأت قلوب بعضهم ببغض بعض، وأن في هذا الدين إيثارًا، وهم قد تمكنت من نفوسهم الأثرة والشح، وأن في هذا الدين مواساة للفقراء، وهم يمنع أغنياؤهم زكاة أموالهم، وأنه لا حكم إلا لله، وهم يحكمون قوانين الكفر، وأن في هذا الدين صدقًا ووفاء وأمانة، وهم يكذبون ويغدرون ويخونون. فكيف يصدق الناس بأن هذا الدين هو المنقذ للبشرية من الهلاك، وأهلُه على شفا جرف هار؟!. وإذا احتج محتج بأن هذا الدين قد طبق في فترة من الفترات، أكمل تطبيق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين طبقوه هم أصحابه رضي الله عنهم وهم بشر، وليسوا ملائكة، وتبعهم على ذلك أهل القرون المفضلة. أجاب أعداء هذا الدين أن تلك فترة نادرة في حياة البشر، ولماذا لا يطبقه المسلمون الآن إن كان ممكن التطبيق؟ ولقد حمل المسلمون إثم عدم الجواب على هذا السؤال، وهو جواب ليس باللسان فقد نطق اللسان، وليس بالقلم، فقد كتب القلم، وليس بالأماني فقد مل الناس الأماني، ولكن بالعمل والتطبيق، فليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. لقد حمل المسلمون إثم عدم هذا الجواب، كل منهم بحسب ما فوت من هذا الدين وهو قادر على عدم تفويته، ويتحمل أهل الحل والعقد في بلدان المسلمين أكبر قسط من هذا الإثم، بسبب عدم إقامتهم هذا الدين وتطبيقه في واقع الحياة. لأنهم هم الذين يقدرون على إقامة هذا الدين، وقد أقصوه عن حياة الناس، وحالوا بين رعاياهم وبين التمتع بأحكام هذا الدين وشريعته. هذا، وإن الإنصاف ليقتضي أن نقول: إن المسلمين على الرغم من بعدهم كثيرا عن دين الله، فإنهم مع ذلك أسعد الناس نسبيًا بسبب ما بقي عندهم من إيمان، ومن تطبيق بعض الشعائر التعبدية وتنفيذ بعض الأحكام الشرعية التي يتاح لهم تنفيذها، ومن وجود بعض الآداب والأخلاق التي مازالت متوارثة في أجيال المسلمين، وان كان كثير منها أصبح عادة لا يربطها أهلها بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكلما كان فرد أو أسرة أو شعب أو دولة أكثر تطبيقًا لشيء من شريعة الله، كان أكثر سعادة وأمنا من غيره، والذي يقارن بين بعض الشعوب الإسلامية، يرى ذلك واضحًا (( وحاجه قومه، قال: أتحاجوني في الله وقد هدان، ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا، وسع ربي كل شيء علمًا أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) ). [الأنعام:80 ـ 82] . (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ). [الحج:41] .وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.