وتماسك أفراده ضده. فإذا ما ربي هذا المجتمع على الاعتزاز بالله والشهامة، والتطلع إلى قيادة البشر إلى الله وإقامة دينه فيهم فقد اكتملت سعادته واستتب أمنه.
(5) وبعد: فإن البشرية اليوم تعاني من ويلات الفتن والحروب والغش والخيانة، والظلم والجبروت والطغيان، والجرائم المختلفة، وانتشار الفواحش والمعاصي، وتخلخل الأسر وتفككها، واضطراب الحياة البشرية في أنحاء الأرض كلها. وارتفعت أصوات المصلحين والمفكرين من جميع الفئات: الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية تنادي بوجوب تدارك الحياة البشرية، وتغيير النظرة إلى الإنسان والحياة عما هي عليه، وإيجاد أسس جديدة تنقذ البشرية مما نزل بها من كوارث ومحن، جعلها تعض على أصابعها ندمًا، وهي تتوقع المزيد من البلاء الذي جعلها في غاية الرعب والخوف والقلق. وأدلى كل مفكر وكل مُتَصَدٍّ للإصلاح بدلوه في هذا السبيل في حدود علمه، واختصاصه وخبرته، فكتب الكتاب، وقنن المقننون، وائتمر السياسيون، وخطط العسكريون، ووضع النظريات الاجتماعيون والاقتصاديون. ولكنهم كلهم باءوا بالفشل الذريع، ولم يقتربوا من شاطئ الأمان، ليرفعوا عليه الراية تهتف لمن كادوا في أمواج بحار الفتن يغرفون. ولازالت الويلات تزداد، والكوارث تتفاقم على الأفراد والأسر والمجتمع والدول، وزادت الجرائم وتفاقم أمرها، وأصبح الناس - كلهم إلا من شاء الله - لا يأمنون على ضرورات حياتهم. ولا سبيل والله إلى سعادتهم وأمنهم وعزهم، إلا أن يعودوا إلى هذا الدين، فيتعرفوا على قواعده وأسسه، ومصدريه الأساسيين: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يخدمهما من العلوم الإسلامية والكونية، ويطبقوا شريعة الله التي استنبطها من نصوص الكتاب والسنة علماء الإسلام. وهي منهج كامل شامل لحياة الفرد والأسرة والمجتمع، لا تدع شاردة ولا واردة يحتاج إليها البشر لتنظيم حياتهم الدينية والدنيوية، إلا وجدوا فيها ما ينظمها ويبين حكمها وفائدتها أو مضرتها. وإذا كانت البشرية من غير المسلمين تتخبط في تيه الضلال، ولم تتجه بجملتها -وإن اتجه بعض مفكريها - إلى هذا الدين، لتجعله منهاجًا لحياتها، لينقذها من خسارتها ووبال أمرها الذي ذاقته، لبعدها عنه، وعدم اقتناعها به وأنه المنقذ الوحيد من الهلاك، إذا كانت هذه البشرية لم تتجه لهذا الدين لإنقاذ نفسها به، فإن المسلمين يتحملون قسطًا كبيرًا من الإثم الذي تستحقه، لأن المسلمين أقدر على فهم هذا الدين وقواعده وتشريعاته، وعلى إبراز محاسنه نظريًا وعمليًا، حتى يكونوا قدوة حسنة، يرى الناس الإسلام متمثلًا في سلوكهم عندما يطبقونه في حياتهم كلها. وعندئذ يبصر الأعمى، ويعقل المجنون، وينطق الأبكم وينجو الغريق، ويتجه الناس كلهم إلى هذا الدين، ليهتدوا بهديه مقتدين بأهله مؤتمين بهم. كما حصل ذلك في سابق العهد، عندما انتشر عدد قليل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض، يدعون الناس إلى هذا الدين، وكانت أعمالُهم، تشرح أقوالَهم، فلم يجد الناس بدا من الإسراع إلى الاستجابة له والسير في ركاب أهله، فدخلوا في دين الله أفواجا. أما اليوم، فإن علماء المسلمين ومفكريهم، يكتبون للناس عن محاسن الإسلام وجماله وثمار تطبيقه، فيقرأ الناس ما يكتبون وينظرون إلى حياة المسلمين فيجدون العمل غير القول، والتطبيق غير الدعوى، فيظنون أن ذلك من نسج الخيال، ومن المثل العليا التي يحلم بوجودها