وقد تكررت هذه الاستجابة من أفراد كذلك في المدينة ; حكى عنهم القرآن بعض المواقف في السور المدنية ; مع النص في بعضها على أنهم من النصارى , ذلك أن اليهود كانوا قد اتخذوا موقفًا آخر غير ما كان يتخذه أفراد منهم في مكة , عندما أحسوا خطر الإسلام في المدينة:
وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن باللّه وما انزل اليكم وما أنزل إليهم , خاشعين للّه لا يشترون بآيات اللّه ثمنًا قليلًا , أولئك لهم أجرهم عند ربهم , إن اللّه سريع الحساب. . . [آل عمران:199] .
لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا , ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا , وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق , يقولون: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ? فآثابهم اللّه بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها , وذلك جزاء المحسنين. . . [المائدة:82 - 85] .
ولكن موقف هؤلاء الأفراد لم يكن يمثل موقف الغالبية من أهل الكتاب في الجزيرة - ومن اليهود منهم بصفة خاصة - فقد جعل هؤلاء يشنون على الإسلام , منذ أن احسوا خطره عليهم في المدينة , حربًا خبيثة , يستخدمون فيها كل الوسائل التي حكاها القرآن عنهم في نصوص كثيرة ; كما أنهم في الوقت ذاته رفضوا الدخول في الإسلام طبعًا ; وأنكروا وجحدوا ما في كتبهم من البشارة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومنتصديق القرآن لما بين أيديهم من بقايا كتبهم الحقة , مما كان أولئك الأفراد الطيبون يعترفون به ويقرونه ويجاهرون به في وجه المنكرين الجاحدين!. . . كذلك أخذ القرآن يتنزل بوصف هذا الجحود وتسجيله ; وبتقرير ما عليه أهل الكتاب هؤلاء من الانحراف والفساد والبطلان في شتى السور المدنية. . على أن القرآن المكي لم يخل من تقريرات عن حقيقة ما عليه أهل الكتاب. نذكر من ذلك:
(ولما جاء عيسى بالبينات قال: قد جئتكم بالحكمة , ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه , فاتقوا اللّه وأطيعون. إن اللّه هو ربي وربكم فاعبدوه , هذا صراط مستقيم. فاختلف الأحزاب من بينهم , فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم) . . [الزخرف:63 - 65] .
(وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم - بغيًا بينهم) . . . (ولولا حكمة سبقت من ربك الى اجل مسمى لقضي بينهم , وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) . . . [الشورى:14] .
(وإذ قيل لهم: اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم , وقولوا: حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين. فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم , فأرسلنا عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يظلمون. واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت , إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم , كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون) . . . [الأعراف:161:163] .