فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 1045

يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوى الأنساب، وهى العصبية للدين الفاسد، فإن في قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين وصغارهم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس في قلب أحد. وأعظم عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء الله، مستقدمهم، ومستأخرهم. وأمثلهم عندهم الذى لا يلعن ولا يستغفر.

وأما خروجهم يقتلون المؤمن والمعاهد، فهذا ـ أيضا ـ حالهم، مع دعواهم أنهم هم المؤمنون وسائر الأمة كفار. وروى مسلم في صحيحه عن محمد بن شريح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهى جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان) ، وفى لفظ: (فاقتلوه) ، وفى لفظ: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه) .

وهؤلاء أشد الناس حرصا على تفريق جماعة المسلمين؛ فإنهم لا يقرون لولى أمر بطاعة، سواء كان عدلا أو فاسقا، ولا يطيعونه لا في طاعة ولا في غيرها، بل أعظم أصولهم عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور، كالخلفاء الراشدين، والعلماء المسلمين، ومشائخهم، لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذى لا وجود له فما آمن /بالله ورسوله.

وإنما كان هؤلاء شرا من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل الأهواء، لاشتمال مذاهبهم على شر مما اشتملت عليه مذاهب الخوارج؛ وذلك لأن الخوارج الحرورية كانوا أول أهل الأهواء خروجًا عن السنة والجماعة، مع وجود بقية الخلفاء الراشدين، وبقايا المهاجرين والأنصار، وظهور العلم والإيمان، والعدل في الأمة، وإشراق نور النبوة وسلطان الحجة، وسلطان القدرة، حيث أظهر الله دينه على الدين كله بالحجة والقدرة.

وكان سبب خروجهم ما فعله أمير المؤمنين عثمان وعلى ومن معهما من الأنواع التى فيها تأويل فلم يحتملوا ذلك، وجعلوا موارد الاجتهاد، بل الحسنات ذنوبا، وجعلوا الذنوب كفرا؛ ولهذا لم يخرجوا في زمن أبى بكر وعمر؛ لانتفاء تلك التأويلات وضعفهم.

ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف؛ فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية، والمستأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها. كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبى صلى الله عليه وسلم كانت أفضل. فالسنن ضد البدع، فكل ما قرب منه صلى الله عليه وسلم مثل سيرة أبى بكر وعمر، كان أفضل مما / تأخر كسيرة عثمان وعلى، والبدع بالضد، كل ما بعد عنه كان شرا مما قرب منه، وأقربها من زمنه الخوارج. فإن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه، ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين على ـ رضي الله عنه.

ثم ظهر في زمن على التكلم بالرفض، لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين ـ رضي الله عنه بل لم يظهر اسم الرفض إلا حين خروج زيد بن على بن الحسين بعد المائة الأولى لما أظهر الترحم على أبى بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ رفضته الرافضة فسموا [رافضة] ، واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم. واتبعه آخرون فسموا [زيدية] نسبة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت