ثم في أواخر عصر الصحابة نبغ التكلم ببدعة القدرية والمرجئة، فردها بقايا الصحابة، كابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبى سعيد، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم، ولم يصر لهم سلطان واجتماع حتى كثرت المعتزلة والمرجئة بعد ذلك.
ثم في أواخر عصر التابعين ظهر التكلم ببدعة الجهمية ـ نفاة الصفات ـ ولم يكن لهم اجتماع وسلطان إلا بعد المائة الثانية في إمارة أبى العباس الملقب بالمأمون؛ فإنه أظهر التجهم، وامتحن الناس عليه، وعرب كتب /الأعاجم، من الروم، واليونانيين، وغيرهم. وفى زمنه ظهرت [الخرمية] وهم زنادقة منافقون يظهرون الإسلام، وتفرعوا بعد ذلك إلى القرامطة، والباطنية، والإسماعيلية. وأكثر هؤلاء ينتحلون الرفض في الظاهر. وصارت الرافضة الإمامية في زمن بنى بويه بعد المائة الثالثة فيهم عامة هذه الأهواء المضلة، فيهم الخروج، والرفض، والقدر، والتجهم.
وإذا تأمل العالم ما ناقضوه ـ من نصوص الكتاب والسنة ـ لم يجد أحدا يحصيه إلا الله. فهذا كله يبين أن فيهم ما في الخوارج الحرورية وزيادات.
وأيضا، فإن الخوارج الحرورية كانوا ينتحلون اتباع القرآن بآرائهم، ويدعون اتباع السنن التى يزعمون أنها تخالف القرآن. والرافضة تنتحل اتباع أهل البيت، وتزعم أن فيهم المعصوم الذى لا يخفى عليه شىء من العلم، ولا يخطئ، لا عمدا، ولا سهوا، ولا رشدا. واتباع القرآن واجب على الأمة، بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذى بعث به رسوله، وكذلك أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، تجب محبتهم، وموالاتهم، ورعاية حقهم. وهذان الثقلان اللذان وصى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فروى مسلم في صحيحه، عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغَدِير يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فقال: (يا أيها الناس، إنى تارك فيكم الثقلين ـ وفى رواية: أحدهما أعظم من الآخر ـ كتاب الله فيه الهدى /والنور) فرغب في كتاب الله، وفى رواية: (هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة، وعترتى أهل بيتى. أذكركم الله في أهل بيتى، أذكركم الله في أهل بيتى، أذكركم الله في أهل بيتى) . فقيل لزيد بن أرقم: مَنْ أهلُ بيته؟ قال: أهل بيته من حرم الصدقة، آل العباس، وآل على، وآل جعفر، وآل عقيل.
والنصوص الدالة على اتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا. وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته: (والذى نفسى بيده، لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلى) ، وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد، وطهرهم من الصدقة التى هى أوساخ الناس، وجعل لهم حقا في الخمس والفىء، وقال صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في الصحيح: (إن الله اصطفى بنى إسماعيل، واصطفى كنانة من بنى إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى بنى هاشم من قريش، واصطفانى من بنى هاشم، فأنا خيركم نفسا وخيركم نسبا) . ولو ذكرنا ما روى في حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب، فإن دلائل هذا كثيرة من الكتاب والسنة.