فهرس الكتاب

الصفحة 876 من 1045

وَعَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْفِرَارَ عِنْدَ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَالسِّحْرُ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا بِالْحَقِّ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ , وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} . فَثَبَاتُ الْمُسْلِمِينَ فِي مُوَاجَهَةِ أَعْدَائِهِمْ الْكَفَرَةِ وَحُرْمَةُ فِرَارِهِمْ مِنْ لِقَائِهِمْ وَاجِبٌ , إذَا كَانُوا فِي مِثْلِ عَدَدِهِمْ أَوْ عَلَى النِّصْفِ مِنْهُمْ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ , لقوله تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} . إلَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ تَحَيُّزِهِمْ إلَى فِئَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تُنَاصِرُهُمْ وَتَشُدُّ مِنْ أَزْرِهِمْ وَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ , وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الْفِئَةُ قَرِيبَةً لَهُمْ أَمْ بَعِيدَةً عَنْهُمْ , لِعُمُومِ قوله تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ} قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لَوْ كَانَتْ الْفِئَةُ بِخُرَاسَانَ وَالْفِئَةُ بِالْحِجَازِ جَازَ التَّحَيُّزُ إلَيْهَا , لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {إنِّي فِئَةٌ لَكُمْ} وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْهُ. وَقَالَ عُمَرُ:"أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُيُوشُهُ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ. وَقَالَ عُمَرُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ لَوْ كَانَ تَحَيَّزَ إلَيَّ لَكُنْت لَهُ فِئَةً.

5 -فَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَيُبَاحُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْسَحِبُوا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الْمِائَةِ مُصَابَرَةَ الْمِائَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مُصَابَرَةُ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ , وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:"فَمَا فَرَّ"إلَّا أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ بِهِمْ وَالنَّصْرُ عَلَيْهِمْ , فَيَلْزَمُهُمْ الثَّبَاتُ إعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْبَقَاءِ وَالنَّجَاةُ فِي الِانْصِرَافِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الِانْصِرَافُ , لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَإِنْ ثَبَتُوا جَازَ لِأَنَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي الشَّهَادَةِ , وَحَتَّى لَا يَنْكَسِرَ الْمُسْلِمُونَ , وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا الْكُفَّارَ , فَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ , وَهَذَا مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حَرُمَ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ , وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا , مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ , وَمَا لَمْ يَكُنْ بِقَصْدِ التَّحَيُّزِ لِقِتَالٍ.

تَوَلِّي التَّعْرِيفُ:

1 -التَّوَلِّي: مَصْدَرُ تَوَلَّى , وَأَصْلُهُ الثُّلَاثِيُّ: وَلِيَ. وَالتَّوَلِّي يَاتِي فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ , مِنْهَا: النُّصْرَةُ: وَيُقَالُ تَوَلَّيْت فُلَانًا أَيْ اتَّخَذْته وَلِيًّا. وَالِاتِّبَاعُ وَالرِّضَا , يُقَالُ: تَوَلَّيْته: أَطَعْته. وَالتَّقَلُّدُ. وَمِنْهُ قوله تعالى {: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: إنْ تَوَلَّيْتُمْ الْحُكْمَ فَجُعِلْتُمْ حُكَّامًا أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِأَخْذِ الرُّشَا. وَفِعْلُ الْمَرْءِ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أَيْ وَلِيَ وِزْرَ الْإِفْكِ وَإِشَاعَتِهِ. وَالرُّجُوعُ وَالْإِدْبَارُ وَالْإِعْرَاضُ وَالْإِقْبَالُ: يُقَالُ: تَوَلَّى إلَيْهِ أَيْ أَقْبَلَ , وَمِنْهُ قوله تعالى {: ثُمَّ تَوَلَّى إلَى الظِّلِّ} . وَتَوَلَّى إذَا عُدِّيَ بِعَنْ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا اقْتَضَى مَعْنَى الْإِعْرَاضِ. وَمِنْهُ قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} وَقَوْلُهُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت