فهرس الكتاب

الصفحة 877 من 1045

عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. وَالتَّوَلِّي قَدْ يَكُونُ بِالْجِسْمِ وَقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الْإِصْغَاءِ وَالِائْتِمَارِ , قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} . وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ. وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ فِي تَعَابِيرِ الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ. (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ) : 2 - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّوَلِّي بِاخْتِلَافِ مَوْضُوعِهِ وَمَعَانِيهِ الْمُتَقَدِّمَةِ , وَمِنْ أَهَمِّهَا: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ , وَتَوَلِّي الْقَضَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْوِلَايَاتِ , وَتَوَلِّي الْمَرْأَةِ عَقْدَ النِّكَاحِ , وَتَوَلِّي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ , وَتَوَلِّي الصَّالِحِينَ وَتَوَلِّي الْفَاسِقِينَ. أَوَّلًا: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ: 3 - الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا , وَأَصْلُهُ الِانْدِفَاعُ عَلَى الْأَلْيَةِ , ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مَاشٍ فِي الْحَرْبِ إلَى الْآخَرِ زَاحِفًا. ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَهُوَ الْفِرَارُ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ حَرَامٌ , فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي حَضَرَ صَفَّ الْقِتَالِ أَنْ يَنْصَرِفَ إذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَتَدَانَى الصَّفَّانِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ , وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} نَهَى اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ - فِي الذِّكْرِ هُنَا - عَنْ الْفِرَارِ مِنْ الْكُفَّارِ , وَأَمَرَ فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ بِالثَّبَاتِ عِنْدَ قِتَالِهِمْ , فَالْتَقَى الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عَلَى سَوَاءٍ , وَهَذَا تَاكِيدٌ عَلَى الْوُقُوفِ لِلْعَدُوِّ وَالتَّجَلُّدِ لَهُ. وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ وَالتَّوَلِّي. إذَا لَمْ يَزِدْ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {. . . فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. .} فَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحْرُمْ الْفِرَارُ , وَالصَّبْرُ أَحْسَنُ , فَقَدْ وَقَفَ جَيْشُ مُؤْتَةَ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ فِي مُقَابَلَةِ مِائَتَيْ أَلْفٍ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ الْفِرَارِ الْعَدَدَ لَا الْقُوَّةَ وَالْعُدَّةَ , وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ - مِنْ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ مَا مَالَ إلَيْهِ الْقَلْيُوبِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ - إلَى اعْتِبَارِ الْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ , فَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا انْصِرَافُ مِائَةٍ مِنَّا ضُعَفَاءُ عَنْ مِائَتَيْنِ إلَّا وَاحِدًا أَقْوِيَاءَ , أَوْ مِائَةُ فَارِسٍ مِنْ مِائَةِ فَارِسٍ إذَا عَلِمُوا أَنَّ مَا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ النَّجْدَةِ وَالْبَسَالَةِ ضِعْفُ مَا عِنْدَهُمْ. وَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ لَا يَحِلُّ فِرَارُ مِائَةٍ مَثَلًا إلَّا مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ حَالَةً أُخْرَى يَحْرُمُ فِيهَا الْفِرَارُ , وَهِيَ مَا إذَا بَلَغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفًا , فَإِنْ بَلَغُوا هَذَا الْعَدَدَ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ الْفِرَارُ , وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {. . وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ} فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ خَصَّصُوا هَذَا الْعَدَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنَّمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ إذَا بَلَغُوا اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفًا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ , وَمَا لَمْ يَكُنْ الْعَدُوُّ بِمَحَلِّ مَدَدِهِ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ , وَإِلَّا جَازَ , وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ مَحَلَّ الْحُرْمَةِ أَيْضًا: فِيمَا إذَا كَانَ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَلِكَ وَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقْتُلُونَهُمْ جَازَ الْفِرَارُ. وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: فِي الْخَانِيَّةِ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفِرُّوا إذَا كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {لَنْ يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ} . . وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُغْلَبُ لَا بَاسَ بِأَنْ يَفِرَّ , وَلَا بَاسَ لِلْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ أَنْ يَفِرَّ مِنْ اثْنَيْنِ لَهُمَا سِلَاحٌ , وَيُكْرَهُ لِلْوَاحِدِ الْقَوِيِّ أَنْ يَفِرَّ مِنْ الْكَافِرَيْنِ , وَالْمِائَةُ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت