والمعنى من كل التعريفين واحد. فاذا كان للفظ عندهم معنى أصليًا واستعمل لغير هذا المعنى للتشابه أو للتمثيل أو للاستعارة أو للكناية فهو مجاز ونلاحظ هنا تناقضًا شديدًا ما بين التعريف والواقع العملي اذ لا تجد أحدًا منهم وضع ل (اللفظ الواحد) معنى أصليًا. بل أن اللفظ عمليًا عندهم له معان متعددة. ولكن حينما يبحثون عن (مجازات) يجعلون المعنى الاصطلاحي أصلًا!
والأمر الآخر الأكثر سوءًا أنهم خالفوا التعريف وفي جميع (المجازات المزعومة) فحينًا جعلوا المعنى الاصطلاحي هو الأصل- قاسوا عليه فما خالفه صار مجازًا وما طابقه صار هو الحقيقي- بينما المعنى الاصطلاحي وفق التعريف هو أول المجازات!
انظر الى هذا المثال الغريب: قوله تعالى: (والله محيط بالكافرين) -قال الزمخشري في الكشاف: (والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المُحاط به حقيقة) الكشاف 1 - 785.
وهذا يعني ان لفظ (محيط) عنده مجاز لأنه لم يستعمل وفق الأصل فاسأله ما هو الأصل؟
الأصل بالطبع عنده هو (الاحاطة الجغرافية المادية الأبعاد) أو كما عبر عنه البعض (احاطة السوار بالمعصم) .
بينما يكشف المرء مهما كان قليل المعرفة باللغة ان (الاحاطة) في الأصل أوسع من هذا بكثير والمعنى الأصلي هو معنى عام يتضمن الاحتواء والسيطرة.
زأن الاحاطة المادية الأبعاد هي وضع 0اصطلاحي) وجزء من المعنى الواسع وهكذا نسوا قوله تعالى على لسان الهدهد مخاطبًا سليمان (ع) : (أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين) فلم يقل احد أن اللفظ هنا لفظ مجازي مع أن الهدهد لا يمكنه الاحاطة بالمملكة احاطة السوار بالمعصم! وهو الذي زعموا أنه (المعنى الأصلي) كما نسوا عددًا كبيرًا من الآيات التي ورد فيها اللفظ (أحاط) وهيأته مخالفًا (للأصل المزعوم) :
1 - (ولا يحيطون به علمًا) فالاحتطة هما (علمية) لا جغرافية- ومع ذلك فهو ليس مجاز!
2 - (بل كذبوا بما لم يُحيطوا بعلمه) : في هذا التركيب هم يحيطون بالعلم وليس يحيطون باحد علمًا فهي بعكس حركة التركيب الأول ومخالفة للأصل المزعوم ومع ذلك .. فلا مجاز!
3 - (وأحيط بثمره) , لا مجاز مع انه لا يعلم احد كيف أحيط بثمره.
4 - (وان جهنم لمحيطة بالكافرين) ولم يرى أحد جهنم وهي محيطة بالكافرين فأين الأصل المزعوم وأين المجاز الموهو ولماذا لا تكون معاني اللفظ في جميع هذه الآيات هي الأصل .. اذ لا توجد احاطة بالمعنى الذي ذكروه في كل القرآن والخطأ لا ينحصر بالقاعدة وحدها لأنهم يضعون قاعدة خاطئة ويطبقون عليها الشواهد تطبيقًا خاطئًا ويقلبون الأشياء خلافًا للقاعدة الموضوعة .. فهي أخطاء تتلوها أخطاء.
ناهيك عن قوله تعالى (ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء) فسبحان الله عما يصفون.
وفي النهاية أقول: المجاز المزعوم عندهم نوعان: المجاز اللغوي والمجاز العقلي وجرى على هذا التقسيم السكاكي والزركشي والجرجاني -الا أن الأخير سماه (المجاز الحكمي) بدل العقلي- وعامة من جاء بعدهم. والمجاز العقلي عندهم هو ما وراء المجاز اللغوي من حكمة أو تعقل للأشياء التي استعمل معها المجاز اللغوي فالمجازان يصحان في كل تركيب قرآني استعمل في المجاز.
ان المنهج يرفض الاقرار بوجود أي مجاز في القرآن من أي نوع كان ويرى أن القرآن ليس فيه سوى الحقائق المجردة عن أي ايهام أو توهم أو ابهام. ويعتبر المنهج استعمال المجاز (بمعناه عند اللغويين) في المأثور الأدبي أما أشياء توهموها أو ابهام ينبيء عن عجز صاحب النص في ايصال الحقيقة.
والأغلب هو ما توهموا في المجاز لأنهم خلطوا بين الأصل والاصطلاح من جهة وخلطوا بين تعريف المجاز وتطبيقات التعريف من جهة أخرى ووضعوا أقسام الكلام والقواعد النحوية وحكموا القرآن بها من جهة ثالثة.
أما المجاز الذي حفل) به القرآن حسب تعبيرهم فجميعه من الأوهام التي لا وجود لها الا في أذهان اللغويين. وان شئت سآتيك بأمثلة عامة على المجاز المزعوم ان شاء الله!
والحمد لله
ـ [عالم آخر] ــــــــ [05 - 07 - 2005, 07:36 ص] ـ
ودعني اشرح هذا المثال البسيط لك وللاخوة ..
لو نظرنا في معجزة النبي موسى (ع) عندما تحولت العصا التي كانت في يده الى حية نجد بأن المعجزة هي في تحويل العصا (التي غالبًا كانت مصنوعة من الخشب) الى شيء آخر وهي حية لها جسم وروح وخلايا ولحم ودم فلهذا آمن السحرة وصُعقوا بهذا الأمر لأنه لا يشبه السحر ولو هو من أساليبهم فعرفوا بل تيقنوا ان هذه آية وأن موسى (ع) صادق وأن هذا الشيء حدث بسبب امر خالق هذا الكون وهو الله!
ونفس الشيء حدث مع القرآن يا اخوتي الكرام حيث آمن العرب به لأنه رآوه ليس كلامًا ككلامهم ولا يدرون ما هو أصلًا ولكن قد حطم كل ما عندهم من الأساليب والفصاحة وغيرها .. فقل لي بالله عليك لو كان في القرآن كناية واستعارة وايجاز ووو .. اذن لم يختلف جنسه عن جنس كلام العرب واذن لكانوا استطاعوا أن ياتو بمثله! لا تقل لي كلا ان هذا لايمكن لأن الذي سياتون به سيكون ركيكًا وضعيفًا أقول: كلا يا أخي انظر الى أشعار الجاهلية والمعلقات وغيرها لتحدها ليست كذلك! ستقول ربما: كلا ان كلام القرآن أجمل أقول لك وهل مناط الاعجاز هو الحمال والمهارة في الطرح! يا أخي افتح قلبك ولا أقول عقلك فعقلك مفتوح والحمد لله ولكن أقول افتح قلبك وكن من السحرة!
(يُتْبَعُ)