يقول ابن مفلح في كتابه الفروع:"الجن مكلفون في الجملة إجماعًا، يدخل كافرهم النار إجماعًا، ويدخل مؤمنهم الجنة وفاقًا لمالك والشافعي رضي الله عنهما، لا أنهم يصيرون ترابًا كالبهائم، وإن ثواب مؤمنهم النجاة من النار، خلافًا لأبي حنيفة، والليث بن سعد ومن وافقهم .. وظاهر الأول أنهم في الجنة كغيرهم بقدر ثوابهم، خلافًا لمن قال لا يأكلون ولا يشربون كمجاهد، أو أنهم في ربض الجنة، حول الجنة، كعمر بن عبد العزيز، قال ابن حامد في كتابه: الجن كالإنس في التكليف والعبادات" (لوامع الأنوار البهية، ج2، ص222 - 223) .
وقد علق الشبلي بابًا، قال فيه:"باب في أن الجن مكلفون بإجماع أهل النظر"، نقل فيه عن أبي عمر بن عبد البر: أن الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون، لقوله تعالى:"فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ". وقال الرازي في تفسيره:"أطبق الكل على أن الجن كلهم مكلفون". ونقل الشبلي عن القاضي عبد الجبار، قوله: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في أن الجن مكلفون، وقد حكى عن بعض المؤلفين في المقالات أن الحشوية قالوا: إنهم مضطرون إلى أفعالهم، وأنهم ليسوا مكلفين". قال:"والدليل على أنهم مكلفون ما في القرآن من ذمّ الشياطين ولعنهم، والتحرّز من غوائلهم وشرّهم، وذكر ما أعدّ الله لهم من العذاب. وهذه الخصال لا يفعلها الله تعالى إلا لمن خالف الأمر والنهي، وارتكب الكبائر، وهتك المحارم، مع تمكّنه من أن لا يفعل ذلك، وقدرته على فعل خلافه، ويدلّ على ذلك أيضًا أنه كان من دين النبي صلى الله عليه وسلم لعن الشياطين، والبيان عن حالهم، وأنهم يدعون إلى الشرّ والمعاصي، ويوسوسون بذلك. وهذا كله يدلّ على أنهم مكلّفون. (غرائب وعجائب الجن، للشبلي، ص49) .
ويقول ابن تيمية:"الجن مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلين للإنس في الحدّ والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحدّ، لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين" (مجموع الفتاوى، ج4، ص233) .
تقول: ثانيًا: ما تقصد بقولك عن طبيعة الاختيار وكيف تكون نائمة ما دامت لديه؟
فنقول: لم نفهم سؤالك!!!
تقول: ثالثا: فسرت الفسق تفسيرا ناقصا .. فما قولك في الأربع الفواسق والفاسق ومعنى فسق عن أمر ربه دلالة على أنه خرج عن طاعة أمر ربه نهائيا والطاعة هنا تعني أن طاعته كانت طاعة يطيعها كل الخلق من دون تكليف.
فنقول: شكر الله لكم سردكم هذا لمعنى (فسق) ، ولكني أعود وأقول إن الكافر لا يُسمّى في لغة العرب فاسقًا إلا إذا كان مسلمًا من قبل، ثم فعل ما يخرجه عن الدين .. وهذا ما قاله رب العزة عن إبليس اللعين، ولذلك لا بدّ أن يكون طائعًا لله تعالى قبل أن وقعت منه المعصية التي أخرجته من رحمة الله. وأما قولك بأن طاعة إبليس كانت طاعة يطيعها كل الخلق من دون تكليف، فهذا بان فساده فيما سبق.
تقول: كلامك صحيح لو كان إبليس حمل الأمانة وهذا لم يصح وما استندت عليه من كلام القصاص باطل من أصله فلقد أقررت أنه ليس من الملائكة ولكنك أدخلته بينهم مجازا بل وضعته فوق الملائكة من دون دليل وهذا المقام لا يحصل إلا من حمل الأمانة والذي حمل الأمانة اختيارا أبونا أدم والذي حمل الأمانة إجبارا أبو الجن إبليس وترتب عن ذلك بقاء الخلافة لآدم وذريته ومن ذلك كانت النبوة كانت محصورة في بني آدم فقط.
فنقول: نعيد السؤال من جديد: وما دليلك على أن التكليف هو قبول الأمانة؟ ثم ما دليلك على أن إبليس هو أبو الجن؟ فالله تعالى يقول إنه كان من الجن، فهو واحد منهم، أم أن لديك نصًّا صريحًا يدلنا على أن إبليس اللعين هو أصل الجن، أو (أبو الجن) على حدّ تعبيرك؟
تقول: إن ما استدللت عليه من المفصل بقولك: فإن الحق تبارك وتعالى يقول:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات: 56) العبادة هنا تعني أن أصل الخلق كلهم للعبادة وليس الجن والأنس بل كل المخلوقات تندرج فيها وما ذكر الجن والأنس إلا تذكيرا لهما بهذا الأمر.
فنقول: هذا القول قد بان فساده أيضًا فيما سبق.
ولا أدري من أين أتيت بهذا التأويل؟
غفر الله لنا ولكم وللمسلمين أجمعين ..