وممن عذب من الموالي خباب بن الأرت، وهو من خزاعة سبي في أيام الجاهلية، وبيع بيع الرقيق في مكة، وكان مولى لامرأة يقال لها: أم أنمار الخزاعية، ثم حالف بني زهرة وكان يعمل حدادًا يصنع الأسنة والسيوف، وكان من السابقين إلى الإسلام، وعندما أظهر إسلامه، لاقى صنوفًا شتى من العذاب في المال والنفس، ومما روي في ذلك أنهم كانوا يأخذون بشعر رأسه فيسحبونه بشعر رأسه ويلوون عنقه بعنف، وأضجعوه مرات عديدة على صخور ملتهبة، وأوقدوا نارًا ووضعوه عليها فما أطفأها إلا شحم ظهره، حتى بردت النار، كما ذكر خباب ذلك عن نفسه وقد كشف ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
وكانوا يضجعونه على الرضف وهي الحجارة المحماة، ومع ذلك لم ينالوا منه ما أرادوا من الردة، بل كان ثابتًا ثبوت الجبال على عقيدته، وله قصة مشهورة مع العاص بن وائل، وهو من صناديد قريش والقصة مذكورة في البخاري ومسلم والذي يرويها هو نفسه، خباب بن الأرت، يقول: كنت قينًا -أي حدادًا- في مكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه، فقال: لا أعطيتك حتى تكفر بمحمد، فقال: لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى يميتك الله ثم يبعثك، قال: أجل إذا أماتني الله ثم بعثني، فسوف أقضيك، من باب التهكم والاستهزاء، فأنزل الله عز وجل فيه قوله سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم:77 - 78] .