من أسباب سوء الخاتمة: الإصرار على المعاصي.
هذا سبب من أسباب سوء الخاتمة، الذي يعرف أن هذه معصية، ويعرف حكم الشرع فيها، ثم يتجاهل أمر الله فيها، وهو مصر على المعاصي، كمن يعلم أن الغناء حرام، وقد سمع في الخطب والمواعظ والأشرطة أنه حرام، لكن لا يرتاح إلا عندما يغني، كأنه يعاند خالقه! كأنه يعاند رسول الله صلى الله عليه وسلم! أنت عبد مأمور، والله عز وجل أخبرك على لسان الرسول في القرآن والأدلة النبوية الثابتة: إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وأنه لا يجتمع حب القرآن وحب الغناء في قلب مؤمن، وفي الحديث في البخاري يقول عليه الصلاة والسلام: (ليكونن أقوام في من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) الحر: الزنا، والحرير: الملابس الحريرية، والخمر معروفة، والمعازف الآلات من اللهو والطرب.
وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام، والحديث حسن ولكنه غريب عند الترمذي وفي غرابته ضعف، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حلَّ بها البلاء، وأصابتها ريح حمراء، وزلزلة وخسف ومسخ: إذا كان المغنم دولا، والزكاة مغرمًا، والأمانة مغنمًا، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وتعلم العلم لغير الدين، وظهرت المعازف والقينات، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وأكرم الرجل مخافة شره، وكان زعيم القوم أرذلهم -إلى آخره- قال: فلينتظروا عند ذلك ريحًا حمراء، وزلزلة وخسفًا ومسخًا) الشاهد من الحديث: ظهور القينات والمعازف، واشتغال غالب الناس بهذا المرض، حتى غزا كل بيت، ودخل كل صدر، ولم يسلم منه حتى البدوي في شعث الجبال ووهاج الصحراء، فالرجل والمرأة والكبير والصغير يغنون؛ ينامون على الغناء ويستيقظون على الغناء، ويخرجون بالسيارات يغنون، وفي الرحلات يغنون، وفي كل أمرهم يغنون، حتى لو عرضت على الناس اليوم مقطعًا من أغنية، وجئت بعازف وقلت له: اعزف طرفًا من هذه الأغنية، واسأل الناس: ما هي هذه الأغنية، والذي يعرف نعطيه مائة ريال؟ لامتدت إليك الأيادي كلها، هذه أغنية فلان، تسألهم من ملحن الأغنية؟ قالوا: فلان، ومن واضع كلماتها؟ قالوا: فلان، الله أكبر!! ثقافة موسيقية متناهية.
لكن لو جئت بآية من كلام الله عند أمة القرآن، وقلت: هذه الآية في أي سورة، والذي يعرفها نعطيه جائزة مائة ريال؟ لجلس الناس يتلفتون، أما فيكم (مطوع) يجيب؟ هل هناك شخص يحفظ القرآن؟ طيب وأنت؟ ألست مطوعًا؟ لكن مطوع لإبليس! المطوع من أطاع الله، أحد الإخوة يقول: الناس كلهم مطاوعة، لكن هناك مطاوعة لله وهناك مطاوعة للشيطان؛ أناس أطاعوا الله فهم مطاوعة الرحمن، وأناس أطاعوا الشيطان فهم مطاوعة الشيطان.
كيف تعرف الأغاني ولا تعرف القرآن؟! لماذا تخصصت في سماع الغناء ولم تفرغ نفسك لكلام ربك الذي أنزله الله هداية لك ونورًا وصلاحًا وفلاحًا، والذي يقول الله فيه: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29] ؟! فالمعاصي -أيها الإخوة- والإصرار عليها واستباحتها والمداومة عليها سبب عظيم من أسباب سوء الخاتمة؛ لأنها تحدث في الإنسان الألفة للمعاصي، والإنسان إذا استمر على شيء ألفه، وهذه الألفة تلازم الإنسان في حالة اليقظة وعند المنام وعند الموت، وكما ترون الإنسان إذا نام؛ إذا كان -مثلًا- عالمًا ونام فإنه يرى في منامه دائمًا الكتب، والندوات، وطلبة العلم، والمحاضرات والمناقشات، وإذا كان رياضيًا ولاعب كرة من الدرجة الأولى أو الممتازة فإنه يرى في منامه المباريات، والكرة وقد دخلت المرمى.
وبعضهم يصيح، يقول أحدهم: إن امرأته قامت في الليل فزعة؛ لأن زوجها رأى دخول الكرة في الفريق الثاني، فصاح وما زال يصيح؛ لأنه رأى رؤية عاش عليها فنام عليها، وكذلك عند الموت يحصل له أنه يألف المعاصي ولا يستطيع أن يتكلم عند الموت إلا بالمعاصي التي كان يعيش عليها، يقول مجاهد بن جبر: [قد بلغنا أنه ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه في الدنيا يحضرون عنده في الموت] .
وأن رجلًا حضرته الوفاة فقيل له: قل: لا إله إلا الله، وكان لاعب شطرنج، فقال للناس الذين يقولون: قل: لا إله إلا الله: تشك، تشك، تشك هذه عبارة من عبارات لاعبي الشطرنج.
وأن شخصًا آخر كان مدمنًا للخمر ولما حضرته الوفاة قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: اشرب واسقني، قال: قل: لا إله إلا الله، قال: اشرب واسقني، حتى مات عليها.
وأن شخصًا آخر كان مدخنًا فلما حضرته الوفاة، قيل له: قل: إلا إله إلا الله، قال: هذا دخان حار، هذا دخان حار، هذا دخان حار، قالوا: قل: لا إله إلا الله، قال: والله لا أقولها، أنا بريء منها.
لا حول ولا قوة إلا بالله!! وقد ذكرت لكم أن حصلت في منطقة خميس مشيط، حادثة وفاة لشخص كان يحرج على السيارات ويبيعها في معارض السيارات، وكان لا يصلي ولا يعرف الصلاة أبدًا، فلما حضرته الوفاة، قالوا له: قل: لا إله إلا الله، فجاء بالألفاظ التي يقولها بالميكرفون، عندما كان يبيع السيارة، قال: (أربحه، أربحه خربان تربان، كومة حديد) قالوا: قل: لا إله إلا الله، قال: (خربان تربان) قل: لا إله إلا الله، قال: (كومة حديد) ومات عليها والعياذ بالله.
أيها الإخوة! خطر عظيم على المسلم أن يصر على المعاصي، حتى ولو كانت من الصغائر؛ لأن الصغائر تكون من الكبائر يوم القيامة:
لا تحقرن من الذنوب صغيرًا إن الصغير غدًا يصير كبيرًا
إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيرًا
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على المرء حتى تهلكه) فعليك يا عبد الله ألا تستبيح شيئًا من الذنوب والمعاصي؛ لأنك قد تراه صغيرًا، ولكنه عند الله عظيم، يقول الله عز وجل: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15] ويقول أحد الصحابة: [إنكم لتعملون أعمالًا لا تعدونها شيئًا كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر] .
وفي الحديث أيضًا يقول عليه الصلاة والسلام: (إن المؤمن ليرى الذنب البسيط عند رأسه مثل الجبل يخاف أن يسقط عليه، وإن المنافق ليرى الذنب العظيم كالذباب على أنفه يقول به هكذا) يرى أي ذنب ويقول: بسيط يا شيخ، أنتم تشددون، والذي قلبه حي إذا ارتكب أي خطيئة يرتعد قلبه خوفًا من الله! قلب حي، وأما الميت فكما يقال:
ما لجرح بميت إيلام
الميت لو طعنته ومزقت جلده لا يحس؛ لأنه ميت، والله تعالى يقول: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122] .
فيا أخي! لا تطفئ نور الإيمان بالمعاصي، ولا تستبح المعاصي، ولا تداوم عليها، بل عليك أن تنفر منها، وأن تتوب إلى الله؛ لأنك إذا ألفتها في دنياك ألفتها عند الموت، وختم لك بسوء الخاتمة.
وأما إذا ألفت الطاعات، فيقول لي أحد الإخوة: إنه قد حضر جنازة رجل كان من أهل الخير، وحصل له في آخر عمره أن أصيب بمرض في رأسه أفقده صوابه، وأصيب بغيبوبة طوال الأسبوع منذ أن مرض حتى توفي بعد أسبوع وهو في غيبوبة لا يعرف شيئًا عن الحياة، كان خلال وقته طوال الأسبوع يتوضأ من غير شعور، يقول: هاتوا الوضوء، فيأتون له بكأس فارغ فيدخل يده في الكأس ويتوضأ، وإذا انتهى صلى قِبل القبلة يصلي مرة هنا ومرة يصلي هنا؛ لأنه عاش طوال وقته على الصلاة فختم له بها، فإذا حصل لك ألفة للطاعات ومحبة للقربات، ألفتها في الدنيا ومت عليها وبعثت عليها، وإذا حصل العكس، أي: ألفة للذنوب وللمعاصي يحصل لك نفرة من الطاعات، فالذي يذنب كثيرًا لا يتوب، وهذا على خطر! خطر المشيئة أن تدركه سوء الخاتمة -والعياذ بالله- أما الذي يتوب من الآن إلى الله، ويتعلم ويتدرب على الطاعات، ويألفها ويحبها ويداوم عليها حتى تصبح خلقًا ثابتًا له، فإنه مظنة إن شاء الله أن يختم له بحسن الخاتمة.