ينبغي للعاقل أن يتنبه، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:99 - 101] يهرب الإنسان من أبيه، وأخيه، وأمه، قال الله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37] كل مشغول بنفسه ذلك اليوم، يأتي الولد إلى أبيه يقول: يا أبي! أنت ربيتني صغيرًا، وغذوتني كبيرًا، أسألك بحق بنوتي عليك أن تعطيني حسنة أرجح بها ميزاني؟ فيقول: يا ولدي! غذوتك صغيرًا، وعطفت عليك كبيرًا، أسألك بحق أبوتي عليك حسنة واحدة أثقل بها ميزاني، فيهرب كل من الآخر، ولا يأخذ أحد من الآخر شيئًا، لماذا؟ لأنهم يرون النار يحطم بعضها بعضًا، ويرون الجنة تتزين لأهلها، فإذا لا يوجد هناك عملة تنقذ إلا عملة الحسنات، فيود كل واحد أنه يفتدي من ذلك اليوم بملء الأرض ذهبًا ولو كان يجده، لكنهم لا يجابون إلى ذلك أبدًا، والناس في موقف عظيم لا يعلمه إلا الله:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمورُ
إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسيرُ
وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسيرُ
وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفورُ
وإذا الجنين بأمه متعلقٌ خوف الحساب وقلبه مذعورُ
هذا بلا ذنبٍ يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهورُ
يوم القيامة يشيب له الوليد! أيها الإخوان! اتقوا يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا الطفل الصغير يشيب، والأم تذهل عما أرضعت، والحامل تضع حملها، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:1 - 2] .
وإذا الجنان تزينت وتزخرفت لفتىً على طول البلاء صبورُ
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفيرُ
أين أنت -يا أخي- في ذلك اليوم؟! إنه هول عظيم يشيب له رأس الوليد.
يقول كعب الأحبار لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [يا أمير المؤمنين! اعمل عمل وَجِلٍ، فوالذي نفسي بيده! لو وافيت القيامة ومعك عمل سبعين نبيًا إلى جانب عملك لظننت أنك لا تنجو يوم القيامة] ويقول: [اعمل عمل وَجِلٍ، فوالذي نفسي بيده! إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة ما يبقى معها ملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ إلا ويخر على ركبتيه جاثيًا!] .
فيا أخي! ليس بينك وبين هذا إلا أن يقال: فلان مات، وبعدها إما أن تكون في روضة من رياض الجنة إذا كنت من أهل الإيمان، وإما أن تكون في حفرة من حفر النار إذا كنت من أهل النفاق والعصيان، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.