فهرس الكتاب

الصفحة 1601 من 2982

السؤالوصلتُ عند أحد الإخوة فطلَّق خمس مرات أن يذبح لي ذبيحة، وأنا طلقتُ خمس مرات أني ما أذوقها، ولكني لَمْ آكل، وإنَّما أكلتُ من الأرز، والأرز مطبوخ بالمرقة، والمرقة عصارة الذبيحة التي طلقت منها؟

الجوابأقول: إن السائل هذا الذي طلَّق جاهل، والثاني الذي طلق أجهل منه؛ لأن الطلاق شَرَعه الله كمخرج نهائي حينما تكون الحياة الزوجية مستحيلة بين الزوجين، فيقال لها: اخرجي، والله ييسر لك: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء:130] وليس الطلاق سيفًا يسله الرجل على المرأة في كل مناسبة، وليس شيئًا عظيمًا يبرهن به على صدقه في كل مناسبة، بحيث لا يصير كريمًا إلا إذا طلق، وإذا ما طلق قال الناس: هذا ليس كريمًا؛ لأنه حلف بربي، لا.

هذا لعب، هذا تلاعب بالأيمان، ولو كنت قاضيًا وعرفتُ صاحب السؤال لأتيتُ به وعزرتُه وعزرتُ الذي طلَّق، وجعلتهما عبرة للمسلمين، بدل خمس طلقات أصُكُّه بخمسين سوطًا حتى يخرج قلبه، ولن يعود يطلق مرة أخرى.

أقول للأخ هذا الذي طلق، والثاني الذي طلق: عليهما أن يذهبا لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فورًا، قبل أن يمسا النساء؛ لأن الفتوى التي أنا أفتي بها الآن: أن الذي طلق وحنثَ حَرُمَت عليه زوجته، وهذه الفتوى ليست مني، هذه فتوى صادرة بإفتاء وإجماع هيئة كبار العلماء؛ أن الطلاق المعلَّق على شيء لمنعٍ أو دفعٍ إذا وقع وقع، والشيخ عبد العزيز بن باز ومعه مجموعة من أهل العلم أعضاء هيئة كبار العلماء لهم وجهة نظر وتحفُّظ على هذه الفتوى، وقالوا فيها: إن كان المراد بالطلاق القَسَم فكذا، وإن كان كذا فكذا، لهم تفصيل لا آتي به الآن؛ لكن أنا هذا الذي فهمتُه وقرأتُه وتحقَّق عندي من خلال المراجعة للنصوص، وناقشتُ فيه العلماء، واتصلتُ بهم وقلت: كيف يقول سماحتكم: إن كان نيته الطلاق وهو يطلق، بينما ورد في الأحاديث الصحيحة: أن (ثلاث جِدُّهُن جِدٌّ وهزْلُهن جِدٌّ) ؟! فلو أن واحدًا وهو جالس مع امرأته حالما يتعشون قال لها: يا فلانة.

قالت: نعم.

قال: لاحظي أنك مطلقة بالثلاث! أنا أمزح.

ما رأيكم في طلاقه؟! طلاقه يقع مباشرة، ولو كان يمزح، لماذا؟! لأنه لا لَعِبَ في الطلاق! فكيف بواحد يطلق خمس مرات وليس ثلاث مرات أنه لا يأكل ثم يأكل؟ فالآن أقول لكما أيها السائلَان: عليكما أن تذهبا إلى سماحة الشيخ، فتأخذا فتوىً عاجلة قبل أن تمسَّا النساء.

وانظروا إلى هذا الجهل يا إخواني! لماذا تطلِّق؟! لماذا؟! إذا جاءك ضيف قل: ما رأيك؟! أعشيك؟! تريد أن أذبح لك؟! نأكل من الموجود! فأنت ستخسر [1000] ريال أو [500] ريال، فإن قال: لا.

فقل: الله يكثر خيرك، ووفَّرتَ، والخمسمائة ريال سنرسلها للأفغان الذين يموتون جوعًا، ويأكلون العيش الناشف، إي نعم.

وإذا قال: نعم.

فقل: الحمد لله، والله سنذبح لك، ولكن أن يكون غصبًا فلا.

وإذا كان قد حلف العازم وطلَّق، فدعه يطلِّق ويذبح، حتى لو ذبح سبعين ذبيحة، ما دام أنه جاهل وأحمق دعه يذبح؛ لكن الآن النساء في مشكلة، وهم في مشكلة، وذاك يأكل منها كأنه يأكل من دمه.

وقد ذكرتُ لكم قصة في مسألة الذبائح هذه، عندما يأتيك ضيفك، أو جارك، أو قريبك.

كان الناس في الماضي يذبحون ويعزمون الجيران، لماذا؟! كرمًا ومواساةً؛ لأن كل بيت يشم مرق البيت الذي فيه الوليمة، فإذا رأوا أن فيه ذبيحةً ووليمةً ولحمًا وشحمًا وأرزًَّا، قالوا: يكون في هذا البيت ولا يعزموننا؟! الله يهديهم، هكذا لا يعزموننا؟! إذًا نغضب عليهم؛ لأننا عشنا في ليلة البارحة على كسرة ناشفة، أو على عيش ناشف.

لكن اليوم في كل بيت ذبيحة، أليس كذلك؟! أين البيت من بيوت المسلمين الذي ليس مليئًا باللحم، أو الدجاج، أو السمك؟! إذًا: لا حاجة إلى أن تعزم أحدًا، بل إن مِن الناس مَن إذا عَزَمْته أغضبته، لماذا؟! لأنك تجعله بين خيارين: إما أن يأتي عندك ويتعشى عندك، ويترك عشاءه مع أولاده، وعنده في بيته عشاء مع أولاده أطيب، كونه يمد يده مع زوجته وأطفاله أهنأ له من أن يمد يديه مع جماعة القرية كلهم أو أولاد الحارة.

أو أنه يترك وليمتك ويقعد في بيته يأكل، وبالتالي تغضب عليه أنت، وتقول: أعزمه ولا يأتي؟! كيف هذا؟! أيقطعني؟! فالأَولى ألا تحرج أحدًا بالوليمة؛ وإنما إذا جاءك رحمك أو قريبك فقل: انظر، هذه هي الذبيحة ذبحناها؛ وإذا أردتَ أن نطبخها كلها ونعزم العرب عليها، فإن أتوا أكلوا، وإن لم يأتوا أكلنا من الموجود، ودعهم كلٌّ يأكل في بيته، أو أن نطبخ لك شيئًا منها والباقي نتركه في الثلاجة، إن قعدت عندنا إلى أن تأكلها كلها فجزاك الله خيرًا، وإن ذهبتَ فسنأكلها فيما بعد، وبدل أن تكفينا في وجبة تكفينا في عشر وجبات -هذا هو المنطق- والفلوس الزائدة نحولها للذين يستحقونها.

قصة يبرمجها صاحبها: يقول: جئت عند قريب لي، فدعوته، وقلت له: يا أخي! انظر، جئت وأنا مرهق، أريد أن أسمر معكم هذه الليلة، إذا كان في الثلاجة لحمة فاطبخوا لنا، أو عصيدة، أو مرقًا، أو أرزًا، ودعني آكل معك أنا وأختي -زوجة الرجل هذا- وأولادها وأنت، ودعنا نسمر ونتعشى، أريد أن أسمر معك.

قال: أبشر، ولن نعمل شيئًا أبدًا، أنت جئت إلينا، ونحن نهب لك الموجود، ولن نتكلف شيئًا.

فلما خرج من الغرفة ذهب إلى التليفون، ودقَّ على المندي وقال: خروفان تكون بعد المغرب جاهزة.

يقول الرجل: فجلستُ معهم إلى المغرب، ودخلنا المسجد وصلينا، ورجعنا، ثم أرسل ولده إلى الحارة كلها، إعلان استنفار: تعالوا لتتعشوا، فما هي المناسبة؟! إنه جاءنا ضيف.

يقول: لما دخلنا بعد المغرب جلستُ، وأنا جالسٌ دَخَلَ شخصٌ ما عرفتُه: السلام عليكم.

فأقوم لأحييه: وعليكم السلام.

ثم أقْعُد.

والثاني: السلام عليكم.

فأقوم لأحييه، ثم أقعُد.

والثالث: السلام عليكم.

فأقوم لأحييه، ثم أقعُد.

يقول: فما أذَّن العشاء إلاَّ وقد قمتُ وقعدتُ (100) مرة تقريبًا.

هذه أول عشائي.

يقول: ثم إن البيت فيه حالة من الاستنفار، الكهرباء مُوَلَّعة، والنساء هناك يعملون الإدامات، ويقطِّعون السلطات، ويعملون المحلبيات، والغرف مفتَّحة، ودنيا، أي: (هَيْلَمَة) .

يقول: وعند صلاة العشاء خرجنا لنصلي، وبعد صلاة العشاء جاء الناس كلهم، فأتعبوني، فلا أنا أعرفهم، ولا هم يعرفونني، ولا يتكلمون معي، ولا أتكلم معهم.

وأخيرًا قال: تفضلوا.

فدخلنا، وعندما جئنا على السفرة، وإذا به قد ذبح خروفين، وعندما جئت لأقعد وضعوني أمام الذنب والرأس، الذنب لا لحم فيه، والرأس ليس فيه إلا العظام.

يقول: فشهَّر بي، وأعلن على رءوس الملأ، قال: الله يحييكم على شرف فلان -أي: لاحظوا! هذا فلان الذي دمَّر بيتنا، وخرَّب علينا هذه الليلة، وذبحنا له خروفين، الله يحييكم.

فقلت: الله يخلف عليك، يقول: فعمدتُ أبحث لي عن شيء آكله، فالذنب لا يؤكل، والرأس لا أحبه، وليس فيه إلا العظام، وأبحث عن الأرز، فما أراه؛ لأنه غطي عليه بالذنب، فأُرَى كأني سارق، أدخل الملعقة وأخرجها نصفها من الأرز، والناس هناك يأكلون من الظهر ومن الجُنوب في الصحون الأخرى، فلا أحد منهم تنبَّه لي ووَهَبَ لي لحمة، ولم أستطع أن أمد يدي؛ لأنني استحييت، فأكلت؛ ولكن ليس إلا مُسارَقة حتى أكملتُ وقمتُ، والله إني قمت وأنا جائع، وإني قلتُ في نفسي: الله لا يخلف عليك، ما هذا؟! هذا عشاءٌ للجماعة؟! ما لي ولهم، أريد أنا أن أتعشى، لا أريد أن تُعَشِّي الجماعة! يقول: ولما سرى الناس وخرجوا، قامت أختي مسكينة تأخذ الصحون وتأخذ الطعام هي وبناتها وأهل البيت، في عذاب وفي تعب وفي مشكلة.

يقول: وعندما جاءت الساعة العاشرة، قد تفلَّخت وقد تملَّخت من التعب، دعوتُها: هاه! تعالي، هل معكم خبزة؟! قالت: كيف يا أخي؟! قال: والله لم أتعشَّ بعد، قالت: كيف ما تعشيت؟! قال: ماذا أفعل؟! وضعوا الذنب أمامي والرأس، فلا أنا آكل الذنب، ولا أنا آكل الرأس، واستحييت من الناس أن أقول: هبوا لي لحمة، فأنا الآن جائع.

فذهبَتْ إلى المطبخ وإذا بالمطبخ كسرة خبزة، فجاءت بها على بقية سلطة.

يقول: والله الذي لا إله إلا هو إن تلك الكسرة أهنأ إلى قلبي من ذبيحته.

طيب! ما رأيكم لو أنه أخذ له نصف كيلو لحمة أو كيلو أو اثنين وطبخها له، وتعشى هو وأهله، ثم أرسل الألف ريال أو الألفي ريال إلى المجاهدين؟! كيف سيكون ثواب ذلك عند الله؟! لكن يوم ألا تكون النفقة لله يكون الشخصُ كريمًا، لو طُلب منه وقيل له: ضع الألف ريال.

لقال: لماذا؟! وما لي وما لـ أفغانستان؟! لا يضعها لله؛ لكن يضعها للشيطان، وللرياء، وللمكابرة، وللمجابرة، هذه -والعياذ بالله- مصيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت