من أدلة وقوع البعث والنشور: أن الذي قدر على أن يخلق الأعظم قادر على أن يخلق الأقل عظمة، فإن من يستطيع أن يحمل خمسين كيلو لا يعجزه حمل كيلو، أليس كذلك؟ والذي يستطيع أن يجري مائة متر لا يعجزه أن يسير خطوات؛ لأنه قدر على الكثير فمن باب أولى أن يقدر على القليل.
وقبيح في نظر البشر أن يرمى بالعجز عن حمل الشيء الحقير من يستطيع أن يحمل الشيء العظيم، ومثله: إذا غلب إنسان رجلًا شديد البأس قويًا لا يقال له: إنك لا تستطيع أن تصرع هذا الهزيل، أي: إذا رأيت رجلًا أمسك برجل قوي جدًا وصرعه، ورأيت آخر سفيهًا وصغيرًا وقلت: أتحداك أن تصرع هذا؟ ماذا يقول لك؟ يقول: يا أخي! أنا قدرت على ذلك الذي مثلي مرتين وطرحته، أما هذا فسوف أنفخه نفخة تأخذه إلى هناك لماذا؟ لأن الذي يقدر على الأكبر يقدر على الأصغر، ولله المثل الأعلى تبارك وتعالى.
والله تعالى من جملة خلقه ما هو أعظم من خلق الناس، فكيف يقال للذي خلق السماوات والأرض: إنك لا تستطيع على أن تخلق الناس؟ يقول الله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء:98 - 99] وقال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} [يس:81] وقال عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف:33] وقال سبحانه: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [غافر:57] قال ابن تيمية رحمه الله بعد أن ساق هذه النصوص: إن من المعلوم والبديهيات والمسلمات عند العقول أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ والإمكان أيسر؛ لأن من قدر على الكبير قدر على الصغير.