فهرس الكتاب

الصفحة 946 من 2982

جعل الله المرء مختارًا للخير والشر؛ لقيام الحجة عليه

إن الله تبارك وتعالى -وله المثل الأعلى- أعطاك طريقين: طريقًا باتجاه اليمين وله علامات: صلاة صيام زكاة، هذه لوحات، علامات الطريق، وطريقًا باتجاه الشمال ممنوع الاتجاه إليه خطر خط أحمر: الزنا خطر، الحرام خطر، وأتى أحد الناس وقال: يريد أن يسلك هذا الطريق، امش في الطريق هذه، انظر هذا الاتجاه الصحيح، قال: لا.

أريد أن أغني، لماذا تغني؟ الآخرة مستأخرة، حسنًا! غن، لكن بعد ذلك والله ستخرج هذه الأغنية دمًا من ضلعك كما جاء في حديث عمرو بن قرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن هذا وأمثاله يقومون يوم القيامة عرايا لا يستترون بهدبة، كلما قاموا صرعوا، ولهم عواء كعواء الكلاب) يعوي مثلما كان يعوي في الدنيا على الجنس، يعوي على الغناء، يعوي في النار ويضرب بالسياط، ويقيد بالسلاسل والأغلال، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالله عز وجل يجيب على هذا وأمثاله ممن يحتجون بأن الله ما هداهم، قال الله تعالى: بلى! والله هديناك؛ هديناك يوم أن خلقناك بالفطرة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) ما هي الفطرة؟ الفطرة هي الإسلام، ولهذا قال: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ولم يقل: أو يمسلمانه؛ لأنه مسلم في الأصل، لكن أبواه يجعلانه إما يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، يعني: على دين الأبوين، وهو مسلم، وفي صحيح البخاري يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: (إن الله يقول: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) أي: أخرجتهم عن الحنيفية السمحاء، التي هي الدين الإسلامي، فالله خلقك وأودع فيك سلوكًا إسلامية، وركب طبيعتك على الإسلام، لتقوم عليك الحجة أكثر، أنزل لك كتابًا، وأرسل لك رسولًا، ومكنك من سلوك طريق الخير، وعدم سلوك طريق الشر، فلو أن أحدًا من الناس، بمجرد ما يؤذن للصلاة يريد أن يصلي، لكن أصابه الله بمرض في قدميه، لا يستطيع أن يمدها، ما رأيكم في الإسلام، يقول: اذهب صل غصبًا عنك، وإذا قعدت في البيت نجازيك بجزاء؟ ما دام أن الله عز وجل عطل فيك القدرة على أن تأتي إلى المسجد فصل في البيت، والمريض يصلي في بيته، فأركان الصلاة أربعة عشر ركنًا، منها: القيام، لكن مقيد مع القدرة، لو صلى أحدُ الناس جالسًا وهو يستطيع أن يقوم فصلاته باطلة، لكن إذا مرض فالذي أمرضه هو الله، حكم عليه بالمرض، والله أمره بالصلاة قائمًا، فكيف يعاقبه إذا لم يصل قائمًا وهو الذي أمرضه؟ فيسقط عنه التكليف بالقيام، صل قاعدًا، ما استطاع أن يصلي قاعدًا، فيصلي على جنب، ما استطاع على جنب فيومئ إيماءً بعينه.

وآخر -مثلًا- بمجرد ما يرى المرأة في الشارع، ويريد أن ينظر بعينه، من قدرة الله أن ركب له بابين (أوتوماتيك) على العين يغطي العين بهما، فتقول: يا رب! والله لم أستطع أن أغطي عيني، بل يجب أن تغض بصرك، لو أن أحدًا أراد أن يغض، ولما غض تفتحت عيونه، فالله لا يحاسبه، لماذا؟ لأنه ليس من اختياره، ولكن في قدرته أن يغض بصره.

فالله تعالى يقول: يا من يدعي أن الله ما هداه: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي} [الزمر:59] بلى قد هديتك، بلى قد دللتك عليَّ، ولكن بدلًا من أن تأخذ آياتي هذه وتهتدي وتعمل بها كذبت، فتركت القرآن، وتركت السنة، وملت إلى الأغاني والمنكرات والمعاصي والأفلام، وصرت عبدًا للشيطان يركب على رقبتك، ويذهب بك في كل حفرة ومتاهة، وإذا قال له أحد شيئًا، قال: إذا هداني الله، كيف إذا هداك؟ قد هداك: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الزمر:59] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت