القرينة الأخرى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حاضرًا في ذهنه أن بقايا شرائع الجاهلية في المناسك موجودة في مكة، فأراد أن يعزم إلى الإتيان للحج ويخشى أن يختلط ببعض من يحج من المشركين؛ لأنه أمر في السنة الماضية قبل حجه عليه الصلاة والسلام (ألا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان) ؛ لأن العام القابل هو زمن التشريع فلا تخلطوا عليه، فأبعد أهل الشرك عن مكة؛ حتى لا يختلطوا مع أهل الإسلام فيفسدوا عليهم شرائعهم، فيبقى التشريع لأهل الإسلام؛ ولهذا ربط ذلك بالنجاسة في قوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] ، والنجاسة هنا هي نجاسة معنوية، نجاسة عقيدة، ونجاسة تشريع مبدل لا ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، لهذا خصوصفي التشريع في جهة الأوامر أدخلها المصنف رحمه الله على أنها نصوص بدء تشريع، لا من جهة كون ذلك من الأحكام التكليفية الخمسة.