النوع الرابع: الدليل ظني والدلالة قطعية، وذلك فيما يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكام صريحة، وطريق الوصول فيها ظنية ليست قطعية، وذلك كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول عبد الله بن عباس: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) يعضده مجموعة من الأدلة تجعله قطعي الدلالة، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله) هذا الدليل من جهة الحكم محل إجماع، من جهة ثبوته أن الأكل باليمين ثابت، وأما من جهة دلالته فهو ظني، هل هو على الوجوب وتركه يأثم به الإنسان أم لا؟ هذا موضع ظن، هل النبي أمر بذلك ويكون هذا من جملة الأحكام، أو يكون ذلك من جملة الآداب؟ فإذا أكل الإنسان بشماله كره له ولا يأثم، أو إذا أكل بيمينه امتثل، واستحق الأجر وفعل واجبًا، وهذا من الدلالات الظنية، وله أمثلة كثيرة. وفي حال بحث الدليل ينظر ابتداءً إلى أقوى الأدلة وهي الأدلة القطعية من جهة الثبوت ومن جهة الدلالة، فهي أقوى أنواع الأدلة، ثم يليها بعد ذلك الأدلة القطعية من جهة الثبوت الظنية من جهة الدلالة، ثم يأتي بعد ذلك الأدلة الظنية من جهة الثبوت القطعية في الدلالة، ثم يأتي بعد ذلك النوع الرابع الظني من جهة الثبوت ومن جهة الدلالة وهو أضعفها، ومن العلماء من يقدم استصحاب الأصل على الدليل الظني من جهة الثبوت والدلالة، وبعضهم يأخذ بالقواعد ويضعف الاحتجاج مثلًا بأخبار الآحاد، فكل ما ثبت من جهة دليل ظني يقدم عليه استصحاب الأصل ويرد أخبار الآحاد، كما يفعل بعض الأصوليين في هذا، وهذا فيه نظر، بل يقال: إن ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولو كان ظنًا فإنه يقدم على غيره. والظن هنا يتوسع الأصوليون في تأويله، ويحملون أخبار الآحاد ولو ثبتت وكانت بإسناد واحد على أنها ظن، ويقدمون عليها آراء الرجال، وهذا من الخطأ، أو يقدمون عليها البقاء على الأصل.