فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 215

ولهذا قال: (وأمكن الجمع فجمع يفترض) هنا قدم الجمع، والجمع لا يصار إليه إذا ظهر في ذلك النسخ، فإذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ناسخ ومنسوخ كما في قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة) ليس لنا أن نجمع بين الناسخ والمنسوخ، وإنما نقول: ذاك حكم انتهى، ونبقي ذلك، وقد نصير إليه مع توفر علته، كانتشار الوثنية، إذا انتشر في بلد من البلدان، نضع على المقابر سياج ونحو ذلك، خشية أن تعبد إذا ظهرت العبادة، فنقوم حينئذٍ بالمنع للرجوع إلى تلك العلة، أما أن نجمع بين الدليلين في حالة واحدة فهذا ضعيف، وفي حال عدم ثبوت النسخ فإن الجمع يقدم على النسخ. قال: (إن يمتنع فرده للوقفثم اجتهد عسى دليلا تقفي) هنا في مسألة تعذر الجمع من العلماء من يقول: يصار إلى الترجيح، ثمة قاعدة يذكرها الفقهاء، وهي إعمال الدليل أولى من إهماله، أو يقولون: إعمال الدليلين أولى من إهمالهما، أو إهمال أحدهما، وهذا المراد به أنك إذا أعملت الشريعة عظمتها، ودنت الله عز وجل بها، فلم تعطل هذا وهذا، وهذا يؤدي إلى الجمع، لكن الإنسان إذا مال إلى الترجيح فلا بد أن يعطل أحد الدليلين، لكن قد ينقدح في ذهن الإنسان جملة من القرائن تؤدي إلى تعطيل أحد الدليلين، من هذه القرائن: الأمر الأول: قوة أحد الدليلين على الآخر، وذلك أن قوة الدليل تعني في كثير من الأحيان الاعتداد بالحكم، والعمل به، فإذا حمله الصغار وزهد الكبار عن حمل الحديث الثابت إلى من دونهم دل على عدم العناية بمضمونه، وما يحمله الناس مما يدور في مجالسهم من أخبار ويتحدثون بها في الغالب أنهم يهتمون بها، فإذا تحدث بها الكبار دل على أنها مهمة، وإذا لم يتحدث بها الكبار تجد أن لديهم ليست مهمة؛ لهذا نقول: إنه إذا لم يتمكن الإنسان من الجمع، فلا بد أن يصير إلى الترجيح، بالنظر إلى جملة من القرائن، فمن هذه القرائن: قوة الدليل على الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت