ومن وجه آخر: أن الواجب لا بد أن تتحقق فيه النية، وإذا تحققت فيه النية لا بد أن يتحقق في النية السلامة, وإلا لا يسمى امتثالًا؛ ولهذا نقول: إن ما يؤمر به الإنسان ويفعله امتثالًا فهو العمل الواجب. وأما من جهة حقيقة الأمر الواجب المنفصل عن الفعل فنقول: إن الواجب: ما يثاب فاعله امتثالًا ويعاقب تاركه، فالإنسان إذا فعل الواجب من غير امتثال فقد وقع في محرم، وأما إذا فعل الواجب امتثالًا فإنه يثاب على ذلك، أما المحرم إذا تركه من غير امتثال لا يعاقب على ذلك، فترك الإنسان السرقة احترامًا لأبيه، وترك السحر لطلب حب الناس له، فهو ترك هذا العمل خشية أن يقع الناس في عرضه، هل هذا أمر من الأمور المقصودة؟ نعم هذا من الأمور المقصودة؛ لأن ترك المحرم لغير الله مقصود في ذاته وهو من مقاصد الشريعة، وترك المحرم لله مقصود أيضًا وهي مرتبة الصالحين، والدليل على ذلك حديث النعمان بن بشير في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات) أو (أمور مشبهات) (لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) .ولهذا يصح أن تأمر أحدًا بفعل معين فتقول: يا فلان صل فإن الله قد فرض عليك الصلاة، ويصح أن تقول: يا فلان اترك الربا وظلم الناس فإنك ابن فلان، ومن الأسرة الفلانية، ومن البلدة الفلانية، لا ينسب الباطل إليكم، وأنتم من قبيلة كذا، هذا صحيح أو ليس بصحيح؟ صحيح لا حرج في هذا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ، لهذا لا حرج على الإنسان أن تأمره بالإقلاع عن المحظور من غير امتثال؛ لأنك تعلم أنه يقلع عن ذلك أكثر مما لو امتثل للدين؛ لهذا يقول عمر وعثمان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.