ويزع: يعني يردع، والردع يكون في ترك المحظور لا في فعل الواجب في الغالب؛ ولهذا نقول: إن فعل الواجبات أعظم وأشرف من ترك المحظورات، وإن كان يلزم لفعل الواجب ترك المحظور، فحينما يأتي الإنسان بالتوحيد يلزم من ذلك ترك الشرك، لكن ليس على كل حال، فالإنسان قد يدع الزنا ولا يتزوج، وقد يدع الربا ولا يبيع وهكذا، وقد يدع السرقة ولا يتكسب وهكذا. ولهذا نقول: إن فعل الواجب أشرف من ترك المحظور؛ لأن الواجب لا يمكن أن يصح إلا بامتثال، وأما المحظور فيصح بلا امتثال، والمرتبة العلية للمحظور أن يدع الإنسان المحظور عنه امتثالًا لله عز وجل، ولكن لا يجوز للإنسان أن تأمره بالصلاة فتقول: يا فلان صل لأنك ابن فلان هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنك تحثه على أن يعمل العمل لغير الله، وهذا العمل هو واجب، أما ترك المحظور فتقول: يا فلان دع هذا اللباس فأبوك فلان، وأخوك فلان، وأنتم من أسرة كذا، فهذا اللباس لباس محرم، لبس الحرير، أو لبس الشهرة، أو التشبه، ونحو ذلك، فهذا أمر جائز؛ لأن المقصود الإقلاع، وأما بالنسبة لورود النية فيكسب بها الإنسان أجرًا ولا يرفع بها إثمًا، وإنما الإثم يكون بالتروك. ولهذا نقول: إن الواجب إنما يقدمه العلماء لشرفه وعلو منزلته؛ لهذا أكد الله عز وجل الأوامر في الشريعة، وجاءت المأمورات في الشريعة أكثر من المنهيات؛ ولأن المنهيات أيضًا تنافي أصل الاختيار في الإنسان بخلاف الأمر بالفعل، وذلك من وجه: وهو أن الإنسان إذا أمره الله عز وجل أن يفعل شيئًا بعينه، والإنسان يحب أن يختار، نقول: افعل، ثم اختر ما تشاء. إذًا: الوجوب في ذاته لا ينافي حق الإنسان في اختياره في غير ذلك الواجب، ولا يعطل له غيره، أما بالنسبة للنهي فإنه يعطل أمرًا للإنسان على سبيل الدوام، فينهى عن السرقة وينهى عن الزنا، وينهى عن شرب الخمر، ينهى عن الربا على سبيل الدوام، فليس للإنسان اختيار في هذا الأمر.