وبخاصة من إسرائيل. وقد كان فرعون ذا سلطة ضخمة وجبروت، كما كان مسرفا في الطغيان، لا يقف عند حد، ولا يتحرج من إجراء قاسٍ.
والحكمة -والله أعلم- بكونه ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، أن الذرية والشباب أقبل للحق، وأسرع له انقيادًا، بخلاف الشيوخ ونحوهم ممن تربى على الكفر فإنهم -بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة- أبعد من الحق من غيرهم.
(فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ .. ) هذا ثناء عليهم بأنهم آمنوا ولم يصدهم عن الإيمان خَوفهم من فرعون. وقد كانوا محقين في خوفهم الشديد؛ فإنه (لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) .. وفي هذا زيادة ثناء على قوة إيمانهم إذ آمنوا في حال خوفهم من الملك مع قدرته على أذاهم.
وهنا لا بد من إيمان يرجح المخاوف، ويطمئن القلوب، ويثبتها على الحق الذي تنحاز إليه: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) .. فالتوكل على الله دلالة الإيمان ومقتضاه. وعنصر القوة الذي يضاف إلى رصيد القلة الضعيفة أمام الجبروت الطاغي فإذا هي أقوى وأثبت.
وجملة: (إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) شرط ثانٍ مؤكد لشرط (إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ) ، فحصل من مجموع الجملتين أن حصول هذا التوكل متوقف على حصول إيمانهم وإسلامهم، لمزيد الاعتناء بالتوكل وأنه ملازم للإيمان والإسلام، ومبين أيضا للشرط الأول؛ أي: إن كان إيمانكم إيمان مسلم لله، أي مخلص له غير شائب إياه بتردد في قدرة الله ولا