الوجه الأول: وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي: أن كل مَن كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيمانًا؛ لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين.
والوجه الثاني: من زيادة التصديق أنهم يصدقون بكل ما يُتلَى عليهم من عند الله، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - متعاقبة، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقًا وإقرارًا، ومن المعلوم أن مَن صدَّق إنسانًا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق مَن صدقه في شيء واحد. وقوله: (إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ الله) معناه أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد؛ فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق، وفي الآية وجه ثالث وهو أن كمال قدرة الله وحكمته إنما تعرف بواسطة آثار حكمة الله في مخلوقاته، وهذا بحر لا ساحل له، وكلما وقف عقل الإنسان على آثار حكمة الله في تخليق شيء آخر، انتقل منه إلى طلب حكمة في تخليق شيء آخر، فقد انتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف وأكمل، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها؛ لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي والكشف والمعرفة.
(وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُه زادتهم إيمانًا) ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يُحدِث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وَجَلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي؛ وكل هذا مما يزداد به الإيمان.