ونقول له أيضًا: نراك إذا أُصبتَ بمرض جسمي طرقتَ باب كل طبيب لعلاجك، وصبرتَ على ما ينالك من ألم عملية الجراحة وعلى مرارة الدواء. فلماذا لا تفعل مثل ذلك في مرض قلبك بالمعاصي؟
ونؤمن بأنّ الشر لا يُنسَب إلى الله تعالى لكمال رحمته وحكمته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"والشرُّ ليس إليكَ" [رواه مسلم] . فنفس قضاء الله تعالى ليس فيه شر أبدًا؛ لأنّه صادر عن رحمة وحكمة، وإنّما يكون الشرُّ في مقضياته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعاء القنوت الذي علّمه الحسن:"وقني شرَّ ما قضيتَ". فأضاف الشر إلى ما قضاه، ومع هذا فإنّ الشر في المقضيات ليس شرًّا خالصًا محضًا، بل هو شر في محله من وجه، خير من وجه، أو شر في محله، خير في محل آخر.
فالفساد في الأرض من: الجدب والمرض والفقر والخوف شر، لكنه خير في محل آخر. قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .
وقطع يد السارق ورجم الزاني شر بالنسبة للسارق والزاني في قطع اليد وإزهاق النفس، لكنه خير لهما من وجه آخر، حيث يكون كفارة لهما فلا يجمع لهما بين عقوبتي الدنيا والآخرة، وهو أيضًا خير في محل آخر، حيث إن فيه حماية الأموال والأعراض والأنساب.
وكل ما كان شرًّا إنما هو أمر نسبي إضافي؛ فهو خير مِن جهة تعلق فعل الرب وتكوينه به، وشر بالنسبة إلى مَن هو شر في حقه. فله وجهان: هو مِن أحدهما خير؛ وهو الوجه الذي نُسِب منه إلى الخالق