فهؤلاء قوم يقولون آمنا بالله وبالرسول. أي يقولون: نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا رسول الله! ويزيدون على ذلك فيقولون: أطعنا! فيزعمون الطاعة كذلك! (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ .. )
فما هو التولي الذي حدث من هذا الفريق فنفى عنه صفة الإيمان، وقال الله عنه: (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) .
هذا هو الذي تبينه الآية التالية: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) .
فهذا الفريق الذي ينفي الله عنه الإيمان هو الذي يُدعى لتحكيم شريعة الله فيعرض عنها. وسواء أكان إعراضا قلبيا، أم إعراضا ظاهرا، فكلاهما ينفي الإيمان ويلغي حقيقة الشهادة التي ينطقون بها بأفواههم؛ لأن الله يقرر في آية سورة النساء التي سبقت الإشارة إليها أن التسليم القلبي شرط للإيمان: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
هذه الآية الكريمة تمثل القاعدة الكبرى في هذا الدين، هذه القاعدة التي لا يكون بدونها إيمان، ولا إسلام، وهي قضية المسلم الكبرى يوم أن تنزل هذا القرآن، وهي قضيته الأساسية والكبرى كذلك في كل زمان، وهي قضية العصر الراهنة التي يجب أن تشغل اهتمام كل مسلم.
إن التحاكم إلى الكتاب والسنة هو الإسلام فحسب، ولذا فلقد جاءت هذه الآية بهذا القَسَم المزلزل الذي ترتعش حياله الأوصال