فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:48 - 50]
حقيقتان تقررهما هذه الآيات:
الأولى: أن كل دين منزل من عند الله هو عقيدة وشريعة في ذات الوقت. عقيدة تحكم الوجدان، وشريعة تحكم واقع الحياة.
والثانية: أن كل حكم غير حكم الله فهو جاهلية، وأنه لا يوجد إلا نوعان اثنان من الحكم: حكم الله وحكم الجاهلية. فالمؤمنون هم الذين يتبعون حكم الله، أما الذين يتحاكمون لغير ما أنزل الله، أي يتبعون حكم الجاهلية فما أولئك بالمؤمنين.
وإذا كانت تلك هي حقيقة الدين الرباني، فإن البشر من عند أنفسهم هم الذين فصلوا العقيدة عن الشريعة، وجعلوا الدين عقيدة فقط، وقالوا إن الدين صلة بين العبد والرب مكانها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة! إنما واقع الحياة تحكمه شرائع يضعها البشر لأنفسهم. وبذلك خرجوا من دين الله وأصبحوا في الجاهلية! وهذا ما وقع للنصارى في أوربا بصفة خاصة، إذ فصلوا العقيدة عن الشريعة وفصلوا الدين عن الدولة، ووقعوا في هذا الفصام النكد الذي يقسم الحياة قسمين: قسما من اختصاص الله سبحانه وتعالى يمارس في داخل الكنيسة، وقسما لا علاقة له بالله يمارس في واقع الحياة!