فالإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ، مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات وتضحيات ومشقات. وحسبنا مثلًا على الإيمان الصادق والتحول الإيماني الفريد رجل وامرأة عُرف أمرهما في الجاهلية، وعرف أمرهما في الإسلام ..
الرجل هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي بلغ في الجاهلية ما بلغ، وحين انتقل من الجاهلية إلى الإسلام وتحرر عقله؛ بلغ به الأمر أن قطع شجرة الرضوان التي بايع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يوم الحديبية تحتها؛ خشية أن يطول الزمن بالناس فيقدسوها .. ويقف أمام الحجر الأسود بالكعبة فيقول: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك.
عمر - رضي الله عنه - يبلغ من سمو عاطفته ورقة قلبه وخشيته لله ما ملأ صفحات التاريخ بآيات الرحمة الشاملة للمسلم وغير المسلم، بل حتى الحيوان، وقولته المشهورة:"والله لو عثرت بغلة بشط الفرات لرأيتني مسئولا عنها أمام الله؛ لِمَ لم"
أسوِّ لها الطريق؟"؛ لا تزال يحفظها الصغير والكبير."
أما المرأة فهي الخنساء، التي فقدت في الجاهلية أخاها لأبيها فملأت الآفاق عليه بكاءً وعويلا، وشعرا حزينا، ومن رثائها له:
يذكرني طلوعُ الشمسِ صخرًا ... وأذكرُهُ بكلِّ غروبِ شمسِ
ولولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانِهم لقتلتُ نفسي
وبعد إسلامها نراها امرأة أخرى؛ نرى أمًّا تقدم فلذات كبدها إلى ميدان الموت راضية مطمئنة، بل محرضة دافعة لهم!!