روى المؤرخون أنها شهدت حرب القادسية بين المسلمين والفرس تحت راية سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وكان معها بنوها الأربعة، فجلست إليهم في ليلة من الليالي الحاسمة، تعظهم وتحثهم على القتال والثبات وكان من قولها لهم:"أي بَنِيَّ .. إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة .. ما خُنتُ أباكم، ولا فضحتُ خالكم، ولا هجَّنتُ حسبكم، ولا غبَّرتُ [1] نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200] ، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أوراقها؛ فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها؛ تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة".. فخرج بنوها قابلين لنصحها، عازمين على قولها؛ فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، فباشروا القتال بقلوب فتية، وأنوف حمية، إذا فتر أحدهم ذكّره إخوته وصية أمهم العجوز، فزأر كالليث وانطلق كالسهم، وظلوا كذلك حتى استشهدوا واحدا بعد واحد، وبلغ الأمَّ نَعْيُ الأربعة الأبطال في يوم واحد، فلم تلطم خدا، ولم تشق جيبا، ولكنها استقبلت الخبر بإيمان الصابرين، وصبر المؤمنين وقالت:
(1) أفسدت.