وهذا معنى قول الزمخشري: كأنهم جُعِلوا آثم من مرتكبي المناكير، لأن كل عامل لا يُسمى صانعا، ولا كل عمل يُسمى صناعة حتى يتمكن فيه العامل ويتدرب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مُوَاقِعَ المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرَّط في الإنكار على المعصية كان أشد إثما وأعظم جرما من الفاعل لها. ا. هـ
فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا، والأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال، فكما أن هناك يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول، فكذلك العالِم إذا أقدم على المعصية دلَّ على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة.
إن الذي يظلم له شهوة في أن ينتفع من الظلم، أما أنتم أيها الربانيون والأحبار فلماذا لا تتحركون لوقف ذلك؟ لا شك أنهم قد امتلأوا سرورا من هذا الإثم وذلك العدوان وأكل السحت، ومبعث سرورهم أن الواحد من هؤلاء لو كان سليما في تصرفاته وأحكامه لغار على المنهج، لكنه يقبل الانحراف؛ لأن من مصلحته أن ينحرف غيره حتى لا يلومه أحد!
أي هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون فيما ذكر من المعاصي؛ أئمتُهم في التربية والسياسة، وعلماء الدين من الأحبار والرهبان،