فالتغيير بالقلب ليس كلمة تقال إنما فعل وموقف، وقد علَّمنا ربنا تبارك وتعالى هذه القضية في قوله سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء:140]
ويقول سبحانه في آية أخرى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68]
والنبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا بغير عذر في غزوة تبوك، يُعلِّمنا كيف نعزل أصحاب المنكر؛ لا بأن نعزلهم في زنزانة كما نفعل الآن، إنما بأن نعزل المجتمع عنهم؛ ليس المجتمع العام فحسب، بل عن المجتمع الخاص، وعن أقرب الناس إليهم.
وقد تخلف عن هذه الغزوة عدة رجال اعتذروا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقَبِل علانيتهم وترك سرائرهم لله، لكن هؤلاء الثلاثة لم يجدوا لأنفسهم عذرا، ورأوا أنهم لا يستطعيون أنْ يكذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يحبسهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إنما حبس المجتمع عنهم حتى الأقارب، فكان الواحد منهم يمشي ويتقرب من الناس ليكلمه أحد منهم؛ فلا يكلمه أحد .. وكعب بن مالك يتسوَّر على ابن عمه الحديقة، ويقول له: تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فلا يجيبه .. ويصلي بجوار الرسول - صلى الله عليه وسلم - يلتمس أنْ ينظر إليه؛ فلا ينظر إليه ..