ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا) أي: ظهر وبان (بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ) أي: البغض بالقلوب، وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك (أَبَدًا) ما دمتم مستمرين على كفركم (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) أي: فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت مودة وولاية. فلكم أيها المؤمنون أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه في الإيمان والتوحيد، والقيام بلوازم ذلك ومقتضياته، وفي كل شيء تعبدوا به الله وحده. [التحرير والتنوير - تيسير الكريم الرحمن]
وعقيدة إبراهيم - عليهم السلام - هذه هي التي عبر عنها علماؤنا الأجلاء بقولهم: لا موالاة إلا بالمعاداة. كما قال العلامة ابن القيم - رحمه الله: لا تصح الموالاة إلا بالمعاداة. كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:75 - 77]
فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة. فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بالبراء من كل معبود سواه. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءؤا مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فإنهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 26 - 28] .