وخلاصة ذلك: إننا لو شئنا لعجلنا لهم العذاب فصاروا كأمس الدابر، ولكن لكل أجل كتاب، وشأننا الإمهال لا الإهمال.
وبعد أن بين سبحانه أن الأمم المهلَكة كان لكل منهم وقت معين لهلاكهم بحسب ما هو مكتوب في اللوح؛ بيَّن أن كل أمة منهم ومن غيرهم لها أجل لا يمكن التقدم عليه ولا التأخر عنه فقال: (ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ) أي: لا يجيء هلاك أمة قبل مجيء أجلها، ولا يتأخر الهلاك متى حل الأجل.
وقال تعالى في سورة الأعراف: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:183] أي: وأمهل هؤلاء المكذبين المستدرَجين في العمر، وأمدُّ لهم في أسباب المعيشة والتدرب على الحرب بمقتضى سنني في نظام الاجتماع البشرى كيدا لهم ومكرا بهم؛ لا حُبا فيهم ونصرا لهم، كما قال تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ. أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:55 - 56] ، وروى البخاري من حديث أبي موسى:"إن اللهَ ليُملي للظالمِ حتى إذا أخذَه لم يُفلته".
وخلاصة ذلك: إن سنة الله قد مضت في الأمم والأفراد بأن يكون عقابهم بمقتضى الأسباب التي قام بها نظام الخلق، فالظالم إذا لم ينزل به العقاب
عقب ظلمه ازداد بغيا وظلما، ولا يَحسب للعواقب حسابا؛ فيسترسل
في ظلمه إلى أن تحيق به عاقبة ظلمه في الدنيا بأخذ الحكام له،
أو بوقوعه في المصايب والمهالك، وله في الآخرة عذاب