فهرس الكتاب
يموتوا من الفرح، فسبحان من لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده وتبارك الجليل الجميل، الذي أنشأ دار النعيم، وجعل فيها من الجلال والجمال ما يبهر عقول الخلق ويأخذ بأفئدتهم.
وتعالى من له الحكمة التامة، التي من جملتها، أنه الله لو أرى الخلائق الجنة حين خلقها ونظروا إلى ما فيها من النعيم لما تخلف عنها أحد، ولما هناهم العيش في هذه الدار المنغصة، المشوب نعيمها بألمها، وسرورها بترحها.
وسميت الجنة جنة عدن، لأن أهلها مقيمون فيها، لا يخرجون منها أبدا، ولا يبغون عنها حولا؛ ذلك الثواب الجزيل، والأجر الجميل، الفوز العظيم، الذي لا فوز مثله، فهذا الثواب الأخروي.
وأما الثواب الدنيوي لهذه التجارة، فذكره بقوله: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا) أي: ويحصل لكم خصلة أخرى تحبونها وهي: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) لكم على الأعداء، يحصل به العز والفرح، (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع، فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين ..
وقد أنجز الله وعده، فرفعت الراية الإسلامية على جميع المعمور من العالم في
زمن وجيز لم يعهد التاريخ نظيره، وامتلكوا بلاد القياصرة والأباطرة،
وساسوا العالم سياسة شهد لهم بفضلها العدو قبل الصديق.
وأما المؤمنون من غير أهل الجهاد، إذا قام غيرهم بالجهاد فلم يؤيسهم الله تعالى من فضله وإحسانه، بل قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: